ضجيج الألوان أمام سردية التاريخ
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

عند اقتراب شهر ديسمبر، تبدأ شاشات الهواتف تتلألأ بألوان علم الإمارات وعبارات التهنئة والفخر التي تنتشر عبر الفضاء الرقمي بضغطة زر؛ ليتحول هذا الفضاء إلى كرنفال بصري يسود فيه اللون الأحمر والأخضر والأبيض والأسود. إنه الاحتفال بعيد الاتحاد الذي يُحتفَل به في الميادين والساحات، وأيضاً في شبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحة رحبة للاحتفال به.
 هناك سؤال قد يطرحه البعض: هل نحتفل عبر كل منصات الفضاء الرقمي؟ هذا ليس السؤال الدقيق بل السؤال الأهم هو كيف نحتفل؟ وما الوعي الذي نبنيه من خلال احتفالنا في الفضاء الرقمي؟
 إن تحليل طريقة احتفالاتنا بعيد الاتحاد على صفحات التواصل الاجتماعي يضعنا أمام مفارقة عميقة ومهمة، فمن ناحية توفر شبكات التواصل الاجتماعي فضاءً كبيراً للتعبير عن فخرنا الوطني ووحدة مجتمعنا. وتسمح لملايين الأشخاص حول العالم بالتفاعل اللحظي مع احتفالنا، ويرى العالم كله سعادة وفخر المواطن الإماراتي بوطنه. الاحتفال بعيد الاتحاد ليس مجرد محتوى وسلسلة من الصور و«الهاشتاجات» العابرة، بل مناسبة لتعزيز الوعي الحقيقي بمنجزنا الوطني.
في احتفالنا عبر الفضاء الرقمي، تسيطر الصور والفيديوهات سيطرة مطلقة على سردية عيد الاتحاد الرقمية. صور الأطفال بالزي الوطني والأزياء التراثية ومقاطع فيديو للألعاب النارية والاحتفالات المختلفة والاستعراضات العسكرية، كل تلك الصور والفيديوهات قوية ومؤثرة، لكن السؤال المهم هنا: كم من هذه المنشورات يقدم السردية الإماراتية؟ كم منها يقدم قصصاً حقيقية عن بناء الوطن وعن معجزة التحول العصري الذي صنعته قيادتنا الرشيدة؟ كم منها يرفع الغطاء ليرى العالم كم من التضحيات بُذلت من أجل الوطن؟ غالباً هذه المنشورات تكون مجرد تعبير عاطفي يستجيب لخوارزميات الانتشار وثقافة الترند أكثر منها استجابة للضمير الوطني العميق، وللوعي والمعطيات العقلية لتاريخ وحاضر ومستقبل دولة الإمارات العربية المتحدة.
الاحتفال بعيد الاتحاد ليس مجرد محتوى، وليس الهم الأول هو الحصول على أكبر عدد من الإعجابات والمشاركات، فقيمة الاحتفال في التعبير عن الانتماء والوطنية وليس تحقيق الترند، أو التعامل مع التاريخ بمجرد خلفية جميلة لصورة سيلفي.
الوطن لا يُبنى بالمنشورات ولا بالترندات، ولكن الاتجاه الحقيقي أن يكون هذا الاحتفال فرصة كبيرة لتحويل هذا الفضاء الرقمي إلى مساحة لسرد قصة الإمارات، ونشر سرديتنا الوطنية إلى العالم. وعلينا أن نخرج من إطار الهاشتاجات الضيق إلى رحابة القوة الحقيقية لشبكات التواصل الاجتماعي لتكون فضاء لنشر سرديتنا الوطنية للعالم.
 انشروا قصص الآباء المؤسسين، وكيف اجتمعوا على قلب رجل واحد، انشروها بكل لغات العالم، وعلى كل مواطن يتقن لغة أن ينشر سرديتنا باللغة التي يجيدها وليس بالعربية فقط، انشروا فيديوهات لأجدادكم ولآبائكم وقصصهم مع مسيرة بناء الوطن، وما قدموه في حياتهم من أجل تعزيز بناء دولة الإمارات العربية المتحدة، استعرضوا إنجازات الوطن وما تقدمه قيادتنا الرشيدة من جهد عظيم من أجل الارتقاء بوطننا.
كما أدعو رفقاءنا من المقيمين على أرض الوطن، أن يشاركونا عبر شبكات التواصل الاجتماعي قصصهم تحت سماء دولة الإمارات، وكيف أثرت الإمارات في حياتهم، وأن يزينوا احتفالات الإمارات عبر الفضاء الرقمي بالواقع والسرديات الحقيقية لهم بكل لغات العالم.
إن التحدي الذي أدعو إليه ليس كبح جماح الاحتفال الرقمي بل إعادة توجيهه في الاتجاه الصحيح وتعميق أثره، يجب أن يكون الاحتفال الرقمي امتداداً واعياً لتاريخ ولواقع وطننا. 
إن الوعي الوطني الحقيقي ليس بالفلاتر الاحتفالية، بل بصناعة المعرفة ونشر سرديتنا الوطنية بكل اللغات إلى كل العالم. فلنجعل شاشات هواتفنا في عيد الاتحاد تضيء بقصتنا لا مجرد مرايا تعكس ضجيجاً عابراً، هذا هو دور كل مواطن، وكل مقيم لتحويل الإبهار البصري إلى قصة إلهام مستدامة.

*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.



إقرأ المزيد