جريدة الإتحاد - 11/28/2025 11:57:54 PM - GMT (+4 )
مرَّ وقت طويل ودارت أحداث كثيرة في دول العالم النامي منذ أن بدأت دراسات النخبة تعالج مشاكل النخبة المثقفة وعلاقتها بالقوة والسلطة السياسية.
وتزامن ذلك مع سقوط العديد من الشعارات التي نادى بها أعضاء النخب المثقفة في دول العالم النامي بعد أن ولجت أوطانهم في حقبة ما بعد الاستقلال السياسي.
وعلى الوتيرة نفسها حدثت تغيرات ملحوظة في الأجواء السياسية والثقافية في جميع دول العالم، وهي تغيرات كان عضو النخبة المثقفة يستمد منها بقاءه. وشعر العديد من المثقفين معها بتأثير تلك التجارب عليهم إما مباشرة أو بأشكال غير مباشرة، خاصة المتعلق منها بدخولهم في دوائر المسؤولية السياسية، وهو أمر لم يكن مألوفاً لديهم من قبل. بعد ذلك ظهر جيل جديد من مثقفي مراحل ما بعد الاستقلال السياسي، جلبوا معهم نمطاً مختلفاً من التأقلم السياسي والتجليات الفرعية الخاصة به التي غالباً ما تكون ذات منطلقات تميل إلى الإقليمية والوطنية الضيقة وحب الإقليم الوطني المستقل ذي الحدود والتطلعات السياسية المحلية الضيقة.
وفي سلسلة المقالات هذه عوضاً عن الاستعانة الكلية بمناهج ومقولات النخبة المثقفة كما تمت صياغتها من قبل المفكرين الغربيين، أو أولئك المنتمين إلى العالم النامي ويعيشون في الغرب وينظرون إلى العالم النامي من الخارج، سنحاول وصف الحالة التي يعيشها مثقف العالم النامي كما يتم تشخيصها وتعريفها من قبل معضلاته الخاصة، وسننظر إلى أوضاع النخب المثقفة من الداخل من قبل عضو جنيني من داخلها.
وسيتم ذلك عن طريق فحص مشاكل النخبة المثقفة الداخلية عوضاً عن فحص الضغوط الواقعة عليها من الخارج.
عند القيام بذلك نحن نأمل بأن لا يتوقع منا القارئ أن نعيد مرة أخرى النمط الذي اتبعه جان جاك روسو في تصوير الأمور من خلال وحي الذات الإلهي، فهذا أمر بعيد عن نمط تفكيرنا وسلوكنا في الكتابة.
نحن مقتنعون بحتمية وجود شخصية وخصوصية إنسان العالم النامي المستقلة في تشخيصنا ووصفنا وتحليلنا، لكن في الوقت نفسه نحن نأمل في تواجد القدرة الذاتية الكافية لدينا للتعبير عن الذات لكي نكون موضوعيين وواقعيين بدرجة تصبح معها طروحاتنا هادفة وذات مصداقية.
وبرغم من جميع ما ألمَّ بدول العالم النامي من تطورات سياسية واقتصادية منذ بدئها في نيل الاستقلال في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إلا أن الأدوار الأساسية للنخب المثقفة فيها لم تتغير.
ويعود السبب في ذلك إلى طبيعة عملية التغير الاجتماعي ذاتها، التي ألَّمت بهذه الدول، والتي لم تخرج عن سياق التغيرات التي حدثت في المجتمعات الإنسانية الأخرى على مر التاريخ.
لذلك، فإن النخب المثقفة في دول العالم النامي قاطبة ما زالت تواجه المعضلات نفسها، التي أوردها علماء السياسة والاجتماع السابقون منذ أن بدأت هذه الدول في الظهور والتشكل كدول وطنية مستقلة، وإنْ كان لتلك المعضلات طابعها وشكلها الوطني الخاص والمستقل.
ولكي لا يبدو طرحنا هذا كتعميم مطلق، نشير إلى وجود بعض التحولات المهمة في المناظير التي أخذت النخب المثقفة في دول العالم النامي تطرق بها معضلاتها وتعالجها من خلالها، وبالتالي وجود بعض التغيرات في شعور هذه النخب المثقفة بذاتها وفي ردود أفعالها. وللحديث صلة.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


