كيف نستفيد من ماكس فيبر مرةً أخرى؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

  تشهد دول الخليج العربي نهضةً اقتصاديةً وتنمويةً كبرى، تقودها السعودية والإمارات وبقية دول الخليج، ومع اختلاف النماذج فإن غاية النجاح حاضرةٌ ورؤية بناء المستقبل قائدةٌ، والتنافس الحميد محرضٌ على مزيدٍ من الإحكام والإبداع والنجاح.
علّمنا التاريخ أنه في لحظات الاندفاع المبهر والمنجز في الاقتصاد والتنمية يتمّ دون قصدٍ إغفال مجالاتٍ لا تقلّ أهميةً وعلى رأسها الفلسفة والثقافة، بحيث تتحول الفلسفة من قيمةٍ كبرى تخرج منها العلوم إلى مجالٍ للمزايدات بين التيارات أو طريقاً للتنافس على التباهي والتفاخر أو المصالح الشخصية، وتصبح الثقافة أشكالاً وصوراً وأرقاماً توحي بحراكٍ ثقافيٍ، ولكنها ليست نشاطاً ثقافياً حقيقياً ومنتجاً للعلم والجدل الثقافي الرفيع.
ومع الإقرار الكامل بأهمية وأولية التنمية والنجاح الاقتصادي والرؤى التطويرية الشاملة، إلا أنه لا يمكن بأي حالٍ إنكار الأهمية العلمية والنظرية، التي تتعلق بالجوانب غير المادية وغير الاقتصادية، التي تغطي مجالات الفلسفة والثقافة، بما تحتويه من هويةٍ وتاريخٍ واجتماعٍ وعلمٍ وصولاً إلى علوم المستقبل واستشرافه.
عوداً على بدء، فليس الجدل في هذا السياق هو عن قيمة فيبر كمؤسس مشاركٍ في علم الاجتماع مع سابقيه من ابن خلدون قديماً إلى ماركس أو نيتشه أو دوركهايم ولا أفكاره المتفردة والمتميزة في لحظته التاريخية، وإنما الجدل المطلوب هنا هو في أن كثيراً من أطروحاته التي مضى عليها أكثر من قرنٍ من الزمان، مناسبةٌ كل المناسبة، ليتم طرحها عربياً وخليجياً بغرض الاستفادة منها في وصف الماضي القريب والحاضر المعيش، لبناء تصورٍ أفضل للجدل الديني والسياسي والاقتصادي، الذي يعصف بكثيرٍ من العقول في زمن الانتقالات الحضارية الكبرى، ولا يجد من يوليه حقه من إمعان النظر وإدارة المجال.
نحن في السياق الحضاري العربي والإسلامي مازلنا بحاجةٍ لذلك النوع من الجدل حول «سوسيولوجيا الأديان» الذي أثاره فيبر، في أسئلةٍ مهمةٍ جمعت بين الأخلاق والمجتمع والسياسة، وأفكارٍ ومفاهيم طرحها لتناول هذه المواضيع المهمة ورصد العلائق بينها، لا كمفاهيم فقط، بل وكمؤسساتٍ تعبّر عن الأفراد والدول، ورأى ضمن سياقه الحضاري ولحظته التاريخية «أن وظيفتي العلم والسياسة ينبغي أن تظلا منفصلتين». (موسوعة المفكرين ص513).
سنستفيد كثيراً حين نخرج هذا الجدل في مجتمعاتنا من أروقة الجهل والتابوهات المغلقة إلى فضاءات الجدل العلمي وآفاق التنظير الفلسفي، ومن هنا يمكن تبني مشاريع فلسفيةٍ وفكريةٍ لا غاية لها إلا نقل مثل هذا الجدل حول «سوسيولوجيا الأديان» إلى جدلنا اليومي، ليرتقي بالجدل الثقافي والفكري ليكون مواكباً للنهضة الحديثة والتنمية الكبرى.
كان فيبر عالماً متفنناً، و«يتموقع فكر فيبر في بوتقةٍ تجتمع فيها السوسيولوجيا بفلسفة التاريخ والنظرية النقدية بالاقتصاد السياسي ويتقاطع فيها المجتمع والأخلاق وتتشابك عندها البروتستانتية بالرأسمالية» من مقدمة كتاب «ماكس فيبر ومفارقات العقل الحديث» ص9.
من الجيد رصد بعض الأفكار التي طرحها فيبر والتي هي شديدة المساس بواقعنا المعيش، فهو يقول: «نسمي علم الاجتماع.. العلم الذي يأخذ على عاتقه تفهم النشاط الاجتماعي بالتأويل، بتأويله ثم بتفسير مساره ومفاعيله تفسيراً سببياً»، ويعلق على كلامه هذا لوران فلوي بالقول: التفهم والتأويل والتفسير هي المراحل الثلاث في مسار هذا العلم.
تطور العلم بعد فيبر ولكن ما يناسب واقعنا اليوم هي أفكارٌ من مثل «ما الكيفية التي تصوغ بها الأديان الأفكار والممارسات؟» والأديان هنا بمعنى التأويلات البشرية للأديان، ويقول بأن «ديناميكية السياسة اقتضت ألا تتأثر السياسة بالأخلاق الدينية»، ويناقش «التدين الاحترافي والتدين الشعبي» ويرصد «أنماط الانخراط في التدين وشرعية المؤسسات الدينية»، ويتحدث عن «المثل الثلاثة للسلطة الدينية (الكاهن/الساحر/النبي)» ويؤكد الحديث عن أن «إعادة إنتاج السلطة الدينية تمرّ عبر احتكار تربية الشباب».
*كاتب سعودي



إقرأ المزيد