في الصراحة تتجدد الحياة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

أحسَّ بأن شيئاً ما يتغير في وجه الزوجة، وأن غمامة داكنة غشيت مُحيّاها الجميل، ولكن صمتها المطبق حال دون معرفة السبب الكامن وراء هذا الغموض، فأراد أن يُسْبر غور هذه التحولات التي سادت علاقته بالزوجة، ففي ليلة ساكنة، قال لها: كم أحبك أيتها الوردة القابعة عند عتبة باب قلبي. فالتفتت نحوه وأرسلت ابتسامة خافتة، دلّت على استنكارها لهجة الزوج، ولكنها لم تنبس ببنت شفة، فاقترب منها وقال: كم هي عيناك ساحرتان، أشعر عندما أتأملهما، وكأني أقف عند نهر تاريخي عريق، ورموشك تهتف باسم الجمال الرباني الذي يخطف البصر. التفتت نحوه مرة أخرة، وهمهمت بصوت مخنوق، أرعبه، ولكنه تجاهل الأمر، واعتبر ما يحدث أمامه شيئاً من الدلال النسائي، ولكنها أوردت قائلة: لماذا كل هذا السرد الروائي، وأنت تعرف جيداً أنني امرأة عادية جداً ولم أعد أُحرّك في داخلك شيئاً يجعلك تفوه بكل هذه المحسنات البديعية التي تتمتع بها، كونك تمرست جداً على الاتكاء على بلاغة اللسان، لتحريك مكامن قلبي والاستحواذ على مشاعري؟ ولكني أودّ أن أصارحك، فأنت لم تَعُد كما كنت في سابق حياتنا، أنت تغيّرت كثيراً وكل ما تقوله مجرد محاولة للعب على مشاعري لا غير. دُهش الرجل، وأحس بأن هناك أمراً جللاً يختفي وراء هذه الكلمات التي تقولها الزوجة، فتحركت نوازع الذكورة في صدره، واعتدل في جلسته، وتغيرت ملامح وجهه، وقال بصريح العبارة: ماذا يحدث يا تُرى في هذا العالم، الأمواج تتلاطم في قلب زوجتي، والنجوم تتساقط من علٍ، متهاوية مثل ثمرات لعبت بها الريح العاتية، وقبل أن يستكمل كلامه، تتدخل المرأة وتقول: تأكد عزيزي، فلا دخان من غير نار، فأنت الذي تغيّرتَ، وصرتَ ليس كما كنت في بداية زواجنا ثم تؤكد، أليس كذلك؟ ويسأل الزوج، وأنا أقول ماذا يحدث في سمائك حبيبتي؟ لقد انقشعت السحابات الممطرة، وتولّت الأمطار الحمضية مسؤولية السقوط على أرض حياتنا، أريد منك توضيحاً، وليس تلميحاً، ودعينا من الكلمات المبهمة، ولندخل في الموضوع مباشرة، لعلي أفهم ماذا تعنين في كلامك، فقد لاحظت منذ فترة ليست بقصيرة، أن وجهك الوضاء تحوّل إلى غيمة داكنة، وهذا ما يجعلني أصرّ على معرفة ما تخبئه الغيمة المتضمنة في كلماتك الغامضة. التفتت إليه وفي عينيها سؤال الوجود، وقالت: لا أريد أن أدخل في جدل عقيم معك، وسوف أقولها صراحة، أنت لم تعد كما أنت، أنت إنسان آخر منذ أشهر عدة، وحاولت التغاضي، ولكني لم أستطع، وعليك مصارحتي، فهل أنت تحبني، أم أنك صرت في طريق آخر، وأعني أنك تحب أخرى؟ ارتبك الرجل، وصار يلعق ريقه بصعوبة، وعيناه تغمضان على شمعة تالفة، ولم يبقَ فيها سوى الدخان الأسود، وأراد أن يفك شفرة الخدعة البصرية التي وقعت فيها الزوجة، وأطرق قائلاً: كل ما ذهبت إليه ليس إلا وهماً، أما أنا فلم يخطر على بالي تغيير وجهة قلبي، بل قلبي لم يتغير نحوك، بل هو يحبك، ولكني من الآن أقولها بصراحة، أنت لست أنت، وأنت وقعت في شرك النميمة، التي تعيشها بعض نساء اليوم، وربما انطلت عليك مثل هذه السفاسف وصرت ضحية لكذبة أشبه بكذبة أبريل، ولكني لن أدَعك تذهبين بعيداً، فأنا إن انشغلت عن مسؤولياتي الزوجية خلال الأيام الماضية، فالسبب سيدتي يعود أليك، فأنت التي حفرت تلك الفجوة، وجعلتِ بيني وبينك وادياً غير ذي زرع، مما جفّف المشاعر بيننا، ولكنك لم تكوني منصفة، وعلّقتِ الأمر على مشجبي، ولكني أشكرك جزيل الشكر، عندما انتبهت أخيراً، فأن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي، أما أنا، فأعدك بأني لن أدع المياه تغرق السفينة، وسوف أحاول أن أعيد المياه إلى مجاريها بقدر ما أستطيع وعليك البقية، فهل تستطيعين؟، نظرت إليه والدمعة تغسل عيونها الجميلة، وقالت: إذا كان الأمر كذلك، فأنا أقولها بصريح العبارة، لن أتركك وحدك تمنع المياه من إغراق السفينة، فلنتفق فوراً في كشح الغيمة عن السوداء عن سمائنا، ونعيد للنوافذ هواءها الطلق، ونعيش كما كنا، في ثبات، ونبات، والحب يجمعنا، وانقلب الشك إلى ودّ، ودفء، وشفافية، لأن في الصراحة، تنفتح صفحات، وتتجدد حياة.



إقرأ المزيد