جريدة الإتحاد - 1/14/2026 11:38:12 PM - GMT (+4 )
ثمة لحظات لا يُقاس وزنها بحجم الحدث، بل بما تتركه من معنى. ما جرى في فنزويلا ليس مجرد فصل أميركي جديد في تاريخ أميركا اللاتينية، بل إشارة إلى أن الإيقاع الدولي يتبدّل، وأن قواعد اللعبة وحدودها تُعاد صياغتها على وقع توازنات جديدة، أكثر مما تُصاغ بلغة الأعراف القديمة. فنزويلا ظلّت لسنوات تُقرأ كأزمة بعيدة عن مركز الاهتمام الأميركي، اقتصاد منهك يدفع الناس إلى الهجرة، وسلطة تتداخل فيها السياسة بالأمن. لكن التطور الأخير أعادها إلى دائرة النفوذ في نصف الكرة الغربي، لا كملفٍ ثانوي، بل كحدث يعكس قراراً بإظهار الحضور حين ترى واشنطن أن لحظة الفعل أهم من بقاء الأمور على وتيرتها السابقة.
لم تكن الخطوة الأميركية موجّهة إلى كاراكاس وحدها، بل إلى دوائر أوسع تراقب من بعيد وتراهن على أن الجغرافيا تمنح وقتاً للمناورة. وفي الخلفية أيضاً تَظهر القوى التي وسّعت حضورها في فضاءات اعتادت واشنطن التعامل معها باعتبارها مستقرة استراتيجياً، من موسكو إلى بكين وصولاً إلى طهران. لذلك بدا رد الفعل بارداً وموزوناً، ليس لأن المفاجأة كانت صغيرة، بل لأن حسابات المخاطرة كبيرة. وحين يصبح التحرك الأميركي واضحاً بهذه الدرجة، تميل العواصم الكبرى إلى امتصاص اللحظة بدل كسرها، ثم إعادة ترتيب أوراقها في ساحات أخرى أقل كُلفة. ومثلما كانت حسابات المخاطرة حاضرة في ردود الفعل، يطلّ وجهٌ آخر للحدث. الاقتصاد هنا ليس خلفية صامتة بل جزءاً من المعادلة.
فنزويلا، بثقلها النفطي، تتحول في الحساب الأميركي إلى نقطة ضغط تُدار بحسّ استراتيجي يضبط مسارات الطاقة ويعيد تعريف مساحة الحركة أمام بكين ويضيّق على قنوات التمويل التي ازدهرت في المناطق الرمادية خلال سنوات العقوبات. ولهذا لا يقف الأمر عند حدّه السياسي، بل يكشف كيف أصبحت الموارد إحدى أدوات ترسيم النفوذ ورفع كُلفة المناورة.
وتُلتقط الرسائل بمعايير مختلفة خارج أميركا اللاتينية. في إيران، حيث يتقاطع الضغط الاقتصادي مع توتر داخلي متجدّد، تبدو الاحتجاجات جزءاً من سياق أوسع لا من لحظة منفصلة. فالدولة التي تراكمت عليها كُلفة الأعوام الأخيرة، بين استنزاف اقتصادي وتبدلات في محيطها الإقليمي، تراقب كيف تتحرك واشنطن حين ترفع سقف خطواتها.
والمغزى هنا ليس استنساخ التجربة الفنزويلية، بل إدراك أن أدوات النفوذ عندما تتغير وتيرتها، تتبدل معها حسابات الصبر والمناورة في أكثر من ساحة. ومع ذلك يبقى الفرق بين الساحتين جوهرياً، فإيران ليست فنزويلا، والشرق الأوسط لا يتعامل مع التحولات الكبرى بوصفها شأناً داخلياً يمكن عزله.
أي اهتزاز واسع هناك ينعكس على أسواق الطاقة وعلى المناخ الإقليمي العام، ولهذا فإن الرهان على إجراءات خاطفة قد يدفع الداخل إلى مزيد من الانغلاق ويُقدّم المقاربة الأمنية على ما سواها، بما يرفع منسوب التوتر ويضيّق هوامش التهدئة.
بهذه القراءة، يُفهم ما بعد فنزويلا بوصفه علامة على تغيّر الإيقاع حين تتقاطع السياسة مع الموارد وتضيق المساحات الرمادية. وفي هذا المناخ تُختبر قدرة الإقليم على إبقاء التحولات ضمن حدود يمكن احتواؤها، حتى لا تنتقل الارتدادات من السياسة إلى الاقتصاد ثم المزاج العام.
ولهذا تبدو الأقدر على حماية مصالحها هي الدول التي تجمع بين وضوح القرار واتساع العلاقات والقدرة على تهدئة التوتر عندما يرتفع منسوبه، لأنها تعرف أن الاستقرار يُصان بحسن الإدارة قبل أن يتحول إلى اختبار مفتوح. وفي شرقٍ أوسط أثقلته التجارب، تتقدم الدول التي تُحسن قراءة التحولات قبل أن تصل إليها ارتداداتها، وتتمسك بخيار التنمية والاستقرار، وتغلق أبواب الفوضى وهي في بداياتها، لا بعد أن تتحول إلى أمر واقع.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


