من حرب التوابل إلى حرب الأفيون
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في عام 1839 أعلنت الصين الحرب على المخدرات. ومع بداية تلك الحرب صادرت ألف طن من المهرّبين في مقاطعة كانتون وحدها، وكان معظمهم من الإنجليز. مارَسَ مهرّبو المخدرات الضغط على حكومة بلادهم في لندن لحمل الدولة الصينية على تسديد ثَمن المخدرات المصادرة وبسعر السوق الحُرّ! وعندما رفض الإمبراطور الصيني، قامت وحدات عسكرية بريطانية بمهاجمة المدن الساحلية الصينية وعاثت فيها دماراً. وقد ذهب عدد كبير من الصينيين ضحايا ذلك الهجوم العسكري الكبير. تُؤرخ كتب صينية وكتب بريطانية لوقائع ما حدث وتُجمع على أن عدد الضحايا الذين سقطوا بين عامي 1850 و1864 بلغ حوالي العشرين مليوناً.
سبق قرار إعلان الحرب الصينية على المخدرات قرار إمبراطوري صدر في عام 1750 يفرض قيوداً على البضائع الغربية التي كانت تدخل إلى الأسواق الصينية حصراً من مرفأ مدينة «كانتون». وربطت الحكومة البريطانية في ذلك الوقت بين قراري فرض القيود التجارية ومنع المخدرات التي كانت تقوم بها شركة الهند الشرقية (وهي مؤسسة بريطانية كانت تحتل الهندَ وتنقل منها المخدرات إلى الصين)، واعتبرت القرارين بمثابة إعلان حرب على بريطانيا.
يروي تفاصيل وقائع هذه التحولات التاريخية في العلاقة بين الشرق والغرب المؤرخُ البريطاني «ستيفن بلات»، في كتاب له بعنوان «إشراقة الإمبريالية.. حرب الأفيون ونهاية العصر الذهبي الصيني الأخير». والكتاب صادر في عام 2018. لكن تلك النهاية كانت بداية الانطلاق نحو الصين اليوم بكل ما حققته من تقدّم وما تمثّله من تطوّر في القرن الحادي والعشرين. 
وفي الوقت الذي كانت تدور فيه حربُ الأفيون، كانت تجري حرب من نوع آخر وفي مكان آخر، لكن حول التوابل. فقد حمل ماركو بولو، المستكشف الإيطالي الشهير، كميةً من التوابل الصينية إلى البندقية في إيطاليا، ومنها انتقلت إلى أرجاء أوروبا. ومنذ ذلك الوقت أصبحت التوابل مادةً أساسيةً تتنافس عليها الدول الأوروبية، وخاصة تلك التي عبرت البحارَ إلى شرق آسيا. وكانت البرتغال في مقدمة تلك الدول، حيث احتلّت الجزرَ الأندونيسيةَ وجزءاً من الصين. ويرتفع اليوم في مدينة «لشبونة» (عاصمة البرتغال) نُصبٌ كبيرٌ، تخليداً لذكرى المستكشفين البرتغال الذين تربّعوا طويلاً على عرش اكتشاف التوابل وحملها إلى أوروبا!
واحتفظ البرتغاليون بسرّية مواقع زراعة هذه المادة التي لم يَعُد الأوروبي يستسيغ طعامَه مِن دونها. وأدّى ذلك إلى انطلاق حرب سرية بين البرتغال وبريطانيا، واستمرت هذه الحرب الصامتة طوال القرن السادس عشر. يروي وقائع هذه الحرب الصامتة أستاذُ تاريخ في كتاب له بعنوان «التوابل»، يقول فيه إن عمليات التجسس حول التوابل كانت الأساس الذي قامت عليه فيما بعد مؤسسات التجسس في الدول الأوروبية حول القضايا السياسية والعمليات العسكرية.
كانت البرتغال تحتكر تجارة التوابل، وكانت هولندا، التي احتلّت أجزاء واسعة من شرق آسيا، غافلة عن أسرار هذه التجارة. وأخيراً أوفدت جاسوساً إلى لشبونة يدعى «هيوجت فان ليتشوتن» لاختراق حواجز هذه الأسرار. عمل هذا الجاسوس الهولندي في عام 1580 سكرتيراً لرئيس أساقفة مدينة «غوا» البرتغالية. وخلال عمله اطّلع على الوثائق والخرائط التي تتعلق بمواقع إنتاج التوابل في المستعمرات البرتغالية في آسيا، كما اطّلع على أسرار خطوط نقلها البحرية. ساعدت هذه المعلومات الهولنديين على اقتحام سوق التوابل وتجارتها. مما أدّى إلى انهيار «امبراطورية» التوابل البرتغالية وكسر احتكارها لهذه التجارة الحيوية للمائدة الأوروبية.
لم يتغير الكثير في القرن الحادي والعشرين سوى استبدال الأفيون والتوابل بمنتجات أخرى. ومن هذه المواد الأخرى اليورانيوم للصناعات النووية.. والسيليكون للصناعات الإلكترونية. تغيّرت المواد.. وبقي الصراع في العالم!


*كاتب لبناني 



إقرأ المزيد