جريدة الإتحاد - 1/21/2026 11:55:11 PM - GMT (+4 )
ززت الهند وألمانيا شراكتهما الاستراتيجية ووسعتا نطاق تعاونهما خلال زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى الهند مؤخراً. وجاءت الزيارة قُبيل قمة الهند والاتحاد الأوروبي، مؤكدةً استمرارَ التعاون بين الهند وشركائها الأوروبيين. كما تزامنت الزيارةُ مع اقتراب الهند والاتحاد الأوروبي من إبرام اتفاقية تجارة حرة، وصفتها نيودلهي بأنها «أم الصفقات». ويعكس هذا الاهتمام المتبادل بين الجانبين بتعميق العلاقات في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي العالمية.
وبالنسبة لأوروبا، وتحت ضغط الولايات المتحدة بشأن التجارة وقضايا أخرى، يُعدّ تعميق العلاقات مع الهند خطوةً نحو الاستفادة من أحد أسرع الاقتصادات نمواً في العالم. ومن جانب آخر، تسعى الهندُ إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع أوروبا، في الوقت الذي تسعى فيه إلى توطيد روابطها في إطار جهودها لتعزيز مكانتها العالمية. كما تبحث الهندُ عن أسواق تصدير بديلة في ظل فرض الولايات المتحدة تعريفة جمركية بنسبة 50% على وارداتها.
والزيارةُ هي الأولى للمستشار ميرتس إلى الهند، وأول محطة آسيوية له منذ توليه منصبَ المستشار. وخلال الزيارة، جدّد رئيس الوزراء ناريندرا مودي والمستشار ميرتس دعمهما للتوصل إلى اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي باعتبارها إحدى أهم نتائج القمة المرتقبة. وتُعد ألمانيا من بين الدول الأوروبية التي تربطها بالهند علاقات سياسية ودبلوماسية وثيقة. كما تزامنت الزيارة مع الذكرى الخامسة والعشرين للشراكة الاستراتيجية الثنائية بين البلدين. وخلال الاجتماعات، تبادل الطرفان 19 مذكرة تفاهم، إلى جانب إعلانات مهمة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والطاقة النظيفة. وقد أضفت اتفاقياتُ الدفاع والأمن بُعداً إضافياً على العلاقة، مانحةً إياها عمقاً استراتيجياً أكبر.
وفي تطور هام، وقّع البلدان إعلانَ نوايا مشتركاً لتطوير خريطة طريق للتعاون في الصناعات الدفاعية، من شأنها توجيه التعاون الدفاعي مستقبلاً، في وقت تسعى فيه الهند إلى تنويع مصادر مشترياتها الدفاعية وزيادة الإنتاج المحلي. واتفق البلدان على وضع خريطة طريق مشتركة لتعزيز التطوير والإنتاج المشتركين في مجال الدفاع، بالإضافة إلى الشراكات التكنولوجية.
وفي إشارة واضحة إلى نية تعزيز التعاون الدفاعي، التزمت ألمانيا بتسريع إجراءات منح التخليص الجمركي للصادرات، وأعربت عن اهتمامها بالمشاركة في المناورات البحرية والجوية الهندية، مثل ندوة المحيط الهندي البحرية. إضافةً إلى ذلك، أنشأ الجانبان حواراً غير رسمي (المسار 1.5) في السياسة الخارجية والأمن، يتيح تفاعلات منظمة وغير رسمية بين المسؤولين الحكوميين والخبراء من المنظمات غير الحكومية، بهدف تعزيز الفهم الاستراتيجي وتنسيق السياسات. كما أطلق الجانبان آليةَ حوار ثنائية بشأن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تدعم نظاماً إقليمياً قائماً على القواعد. وفي بيان مشترك، أعرب الجانبان عن ارتياحهما للتعاون القائم بين منظمة البحث والتطوير الدفاعي الهندية ومنظمة التعاون المشترك في مجال التسلح المشترك، في برنامج «الطائرة المسيّرة الأوروبية متوسطة الارتفاع طويلة المدى»، بما يتيح للهند الاستفادة من تكنولوجيا عسكرية متقدمة وتعزيز روابطها الدفاعية والاستراتيجية مع أوروبا.
وفي الوقت نفسه، شهدت العلاقات الاقتصادية نمواً ملحوظاً. فقد تجاوز حجم التبادل التجاري الثنائي في السلع والخدمات بين الهند وألمانيا 50 مليار دولار في عام 2024، وبرزت ألمانيا كثامن أكبر شريك تجاري للهند خلال الفترة 2024-2025. وكانت الهند في المرتبة 23 بين أكبر الشركاء التجاريين لألمانيا في عام 2024، مما يعكس عمق التكامل الاقتصادي. كما تُعد ألمانيا تاسع أكبر مستثمر أجنبي مباشر في الهند، باستثمارات أجنبية مباشرة تراكمية بلغت 15.11 مليار دولار خلال الفترة من أبريل 2000 إلى مارس 2025. وبلغت الاستثمارات الألمانية في الهند 469 مليون دولار أميركي خلال الفترة 2024-2025، مقارنة بـ505 ملايين دولار في عامي 2023 و2024. وهناك أكثر من 200 شركة هندية تعمل في ألمانيا في مجالات التجارة والتصنيع والبحث والتطوير والابتكار والخدمات.
ودعا رئيسُ الوزراء مودي الشركات الألمانية للاستثمار في الهند، مشيراً إلى قدرة الصناعة الألمانية على دمج دقتها وابتكاراتها مع حجم وسرعة الصناعة الهندية. وأكد للمنتدى أن الحكومة الهندية تعتزم تعزيزَ التعاون من خلال سياسات مستقرة ورؤية طويلة الأجل، وأن بإمكان الشركات الألمانية التصنيع في الهند، والاستفادة القصوى من الطلب المحلي، والتصدير دون أي قيود. وفي الوقت نفسه، وسّع الجانبان نطاق التعاون، مضيفين مجالات جديدة للتعاون بين البلدين.
ورحّب الزعيمان الهندي والألماني بالتقدم المحرز في العلاقات الثنائية في مجالات التكنولوجيا الحرجة والناشئة، بما في ذلك أشباه الموصلات والمعادن الحيوية والرقمنة والاتصالات والصحة والاقتصاد الحيوي. كما تناولت المحادثات قضايا دولية، من بينها حرب أوكرانيا، والوضع في قطاع غزة، وتحديات عالمية أخرى، حيث أكد رئيس الوزراء مودي أن الهند لطالما دعمت الحلولَ السلمية لجميع المشكلات والنزاعات.
ولا شكّ في أن هذه الزيارة قد أرست خارطةَ طريق للعلاقات الهندية الألمانية نحو مزيد من التعاون في المجال الدفاعي والروابط الشعبية.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي
إقرأ المزيد


