جريدة الإتحاد - 1/21/2026 11:55:17 PM - GMT (+4 )
في عالم يتسارع فيه التغير وتتصاعد التحديات، لم يعد الدفاع عن الأمة مقتصراً على حماية حدودها الجغرافية أو تأمين مواردها المباشرة، ولقد تطور مفهوم الدفاع الوطني الشامل ليصير فلسفة استباقية شاملة تهدف إلى ضمان استمرارية الدولة وقدرتها على الازدهار عبر الأجيال، وهذا يتطلب فهماً عميقاً لمتطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل، مع بناء منظومة دفاع تتكامل فيها كل العناصر المادية والمعنوية، الداخلية والخارجية.
يظل الأمن المائي والغذائي وحماية المخازن الاستراتيجية السيادية جوهر الدفاع الشامل، وهذه المقومات لا تحفظ الحياة فحسب، بل تضمن سيادة القرار الوطني في وجه الضغوط والأزمات. الدفاع الحقيقي يتعدى مرحلة الصمود إلى مرحلة الانتعاش، وهنا يأتي دور الاستثمار في المستقبل كأحد أهم أركان الدفاع الاستراتيجي، فالاستثمار في البنى التحتية الذكية، وفي شبكات الطاقة المتجددة، وفي أنظمة النقل المتطورة، ليس ترفاً اقتصادياً، بل هو استثمار في مرونة الوطن وقدرته على الصمود أمام الأزمات والكوارث.
ومن جانب آخر، يعد التفوق المعرفي وإدارة المواهب خط الدفاع الأول في كل المجالات من الاقتصاد إلى الصناعة، إلى السياسة والشؤون الدولية والدبلوماسية، والشؤون العسكرية والأمنية والاستخبارية، إلى الثقافة والمجالات المجتمعية، وهو أحد أسلحة الدفاع الشامل الناعمة المستدامة. الموهبة هي المورد الوحيد الذي لا ينضب، وهي القادرة على تحويل التحديات إلى فرص، فالدفاع الشامل يعني بناء منظومة تعليمية وإبداعية تكتشف المتميزين منذ الصغر، وتوفر لهم البيئة المحفّزة، وتمنحهم الفرص لتطوير قدراتهم. كما يعني جعل البلاد مركزاً جاذباً للعقول والكفاءات من مختلف أنحاء العالم، باعتبار أن التنوع الفكري والإبداعي يصنع مناعة فكرية وتقنية يصعب اختراقها.
إن التحول من إدارة المخاطر والتهديدات إلى تحويل نقاط الضعف المحتملة إلى مصادر وأدوات قوة هو فن إدارة المستقبل، فالأزمة المناخية على سبيل المثال ليست تهديداً للزراعة والماء فحسب، بل هي فرصة تاريخية للاستثمار في التقنيات الخضراء والابتكار في مجالات التكيّف، مما قد يحول الدولة إلى رائدة عالمية في هذا المجال الحيوي. كذلك، فإن التهديدات الصحية تصبح دافعاً لتحقيق التفوق البيوتكنولوجي والرقمي في القطاع الصحي، فالمبدأ الأساسي هو بناء «المناعة الاستراتيجية الاستباقية للدول»، بحيث لا تكون أي صدمة أو كارثة أو أزمة داخلية أو خارجية هي السبب فقط لتسريع النمو الداخلي وخلق قيمة مضافة جديدة، غير أن العمل على رسم الصورة المعلوماتية المستقبلية بصورة متواصلة، ووضع مؤشرات احترازية قائمة على التنبؤ الذكي هو ركيزة المرونة والرشاقة الوطنية.
كما أن تحول الدولة من مستهلك إلى منتج للمعرفة والتقنية يؤمن استقلاليتها ويجعلها شريكاً لا يُستغنى عنه في السلاسل العالمية، فالقوة المالية والاقتصادية من خلال نظام مالي متين وعملة قوية، واقتصاد متنوع قادر على توليد الفرص وامتصاص الصدمات وإنهاء احتكار النظام المالي الحالي بالعالم، وبناء شبكات من العلاقات الاستراتيجية مع القوى الإقليمية والدولية، لا على أساس التبعية، بل على أساس الندية النفعية والمصالح المتبادلة.
ما نحتاجه اليوم هو ثورة في فهمنا للقوة الوطنية كعملية بناء دائمة، وأن القوة الوطنية لم تعد في الترسانة العسكرية وحدها، بل في «الترسانة البشرية والتكنولوجية» من العلماء والمهندسين والمفكرين والفنانين والنظم والخوارزميات، ولم تعد في الموارد الطبيعية فقط، بل في الموارد المعرفية وقواعد البيانات وقدرات الابتكار. الدفاع الشامل هو عملية بناء دائمة للقدرة الذاتية على التكيف والابتكار والتأثير، وخلق بيئة جاذبة يحلم بها الجميع، من بناء مدن تنموية ومراكز بحثية ومساحات إبداعية تكون بمثابة «الواحات» للعقول ورؤوس الأموال العالمية.
هذا يتطلب نظاماً مرناً للإقامة، وتمويلاً سخياً للأبحاث، وحرية أكاديمية، وبيئة اجتماعية منفتحة وتعددية. كذلك التحول من «هجرة الأدمغة» إلى «جذب الأدمغة»عبر سياسات وطنية طموحة تجعل من الوطن مركز إشعاع لا يقاوم للباحثين والمخترعين ورجال الأعمال المبتكرين، والتفوق في البحث العلمي وحماية الملكية الفكرية والسيطرة على التقنيات الحرجة. الأمن البشري يكون من خلال استثمار غير مسبوق في الصحة النفسية والبدنية للمواطن، وفي بناء مجتمع مرن ومتماسك، وأمن المستقبل عبر الاستثمار في التقنيات البازغة (الجيل السادس للاتصالات، الحوسبة الكمومية، التعدين الحيوي) التي ستحدد ميزان القوى غداً.
أما بالنسبة لأمن النفوذ والحدود المادية والافتراضية فيتطلب ثورة في التفكير الاستراتيجي من الدفاع عن الجغرافيا إلى الدفاع عن المستقبل، فالعدو لم يعد واضح المعالم، بل قد يكون تقصيرنا في الاستثمار في العقول والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي الخارق وما وراء ذلك، أو فشلنا في مسارات التنمية البشرية النوعية، أو غيابنا عن المشهد العالمي. القوة لم تعد تقاس فقط بموازين القوى، بل بحجم الاستثمار في الاستثمار الموجه، وبعدد براءات الاختراع لكل مليون مواطن، وبجودة الجامعات في التصنيفات العالمية، وبقدرة البلاد على استضافة المؤتمرات العلمية الكبرى، وجذب الاستثمارات في القطاعات المعرفية.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.
إقرأ المزيد


