جريدة الإتحاد - 1/21/2026 11:55:23 PM - GMT (+4 )
. في القرن الرابع الميلادي كان الفيلسوف المسيحي القديس أوغسطين يتحدث للحضور، فسأله أحدهم: ماذا كان يفعل الله قبل أن يخلق العالم؟.. فأجاب: كان يخلق الجحيم للذين يطرحون مثل هذا السؤال! لقد كثرت الأسئلة الصعبة منذ تطورت علوم الكونيات، وصارت أخبار الفضاء ونظريات نشأة ونهاية الكون.. حديثاً يومياً في وسائل الإعلام وبين الناس. تطرح ابنتي إنجي الكثير من التساؤلات التي لا أعرف لها إجابة، وقد اقتنعتُ بأنني لا يمكن أن أعتمد على ما قرأت وما كتبت وما تعلمت، إذْ إنني أمام امتحان يومي يتضمن أسئلة أصعب كثيراً مما واجهتُ في الثانوية العامة.
رحتُ أبحث عن كتب تساعدني في تلك الاختبارات الشاقة، وفي رحلة البحث وقعت يداي على كتاب ممتع بعنوان «أسئلة كبيرة من أطفال صغار».. ويمثِّل الكتاب -المترجم إلى العربية- تجربة طريفة، حيث جمعت الكاتبة «جيما إلوين هاريس» عدداً من الأسئلة التي سألها أطفال المدارس وراحت بها إلى العلماء والمختصين للإجابة عنها، ثم وضعتها في هذا الكتاب. سأل أحد الأطفال: إذا كان الكون قد بدأ من لا شيء.. فكيف أصبح شيئاً؟.. وقد جاءت الإجابة: نشأ الكون بعد الانفجار الكبير قبل 13.8 مليار سنة، ومنذ ذلك الحين بدأ الكون في التوسع، فالمجرات تباعدت ولا تزال تتباعد. لكن قوة الجاذبية قد تعكس المسار تماماً، فالجاذبية الكونية تجذب كل جزء في الكون نحو الأجزاء الأخرى، وستعمل هذه الجاذبية في المستقبل على وقف توسع الكون وإيقافه وعكسه، وبدلاً من توسّع وتمدد الكون سيبدأ الكون في التقلص والانكماش. سيكون «الانكماش العظيم» معاكساً للانفجار العظيم، وحين ينكمش تماماً سيحدث الانفجار العظيم من جديد، ثم يتوسع الكون مرة أخرى في دورة كونية جديدة.
وهكذا نكون إزاء: الانفجار العظيم، الانكماش العظيم، الانفجار العظيم، الانكماش العظيم.. وهكذا حالة من الارتداد الكوني إلى ما لا نهاية. توقف الكتاب عند هذا الحد، واعتبرها إجابة كافية. لكنني قطعتُ شوطاً آخر في قراءة شيقة لنظريات الكون. من الأسئلة الكثيرة التي طرحها عدد كبير من الناس: ما هو عدد نجوم السماء؟.. وكانت الإجابة: في الأيام الصافية يمكن أن ترى نحو ستة آلاف نجم في السماء.
لكن مجلة «الساينس» نشرت مقالاً في أكتوبر 2016.. استند فيه الباحث إلى بيانات التلسكوب «هابل» وقال: في الكون المرئي هناك (2) تريليون مجرة، وفي مجرة درب التبانة هناك (100) مليار نجم، وعلى ذلك فالمتوسط العام لنجوم السماء في الكون المرئي نحو (200) مليار تريليون نجم، أى نحو (200) سكستيليون نجم!
لقد امتد التشويق في هذا المقال حين أراد الباحث مثالاً أرضياً يوضح ذلك، فقال: إن هذا يعادل (10) أضعاف عدد أكواب الماء في كل محيطات الأرض. وهكذا أصبحنا نعرف تقديراً جيداً لعدد أكواب الماء في المحيطات وعدد نجوم الكون. لا ينشغل المثقفون بأعداد النجوم والمجرات قدر انشغالهم بنشأة الكون ونهايته. وإذا كانت النظرية السائدة أن الكون نشأ بعد الانفجار العظيم قبل قرابة (14) مليار سنة، فإن السؤال: وماذا قبل؟ وماذا بعد؟ أجاب بعض العلماء: بأنه لا كوْن قبل الكون، وأجاب بعضهم بأن هناك كوناً سابقاً لكنه انهار، وعلى أنقاض هذا الانهيار الكوني Big Crunch نشأ الكون الجديد.
وذهب مؤيدو نظرية الأكوان المرتدة Big Bounce إلى أن كوننا جزء من دورة لا نهائية من الانفجار والتوسُّع والانكماش، على نحو ما أوضحنا. يرى بعض العلماء أن الكون مسطّح وليس كروياً، وأنه بلا نهاية، فلا توجد حافة للكون، ويصل عرض الكون إلى (93) مليار سنة ضوئية، وإذا وقفنا في المنتصف فإن نصف قطر الكون يصل إلى (46,5) مليار سنة. لكن علماء آخرين يقولون إن الكون غير مسطح، وأن هناك انحناء في الفضاء، وكما أن الأرض كروية فإن الكون قد يكون كروياً. وبشأن النهايات يرى بعض العلماء أنه لا صحة لنظرية الارتداد، وأن الكون الذي نشأ بفعل الطاقة الهائلة في الانفجار العظيم.. سينتهي متجمداً بعد نهاية هذه الطاقة، وسيموت من البرد على نحو تدريجي.
بينما يرى علماء آخرون أنه سينتهي بالانسحاق الكبير ولكنه لن يعود مجدداً، وثمة من يرون أن الكون سوف يتمزق وأن تمزُّق الكون سيكون المصير المحتوم، وثمة آخرون يرون أن للكون عمراً، وعُمر الكون (33) مليار سنة، وقد عاش الكون نحو (14) ملياراً، وبقى له في العمر (19) مليار سنة، أما عُمر الأرض فهو أقصر من ذلك، إذْ ستقوم الشمس بالتهامها بعد خمسة مليارات سنة.
لم توقِف تلك الأطروحات العديدة والنظريات الجذابة تساؤلات الإنسان حول البداية والنهاية: فماذا كانت نقطة البداية عند الأزل قبل الانفجار الكبير؟ وكيف لهذه النقطة الصغيرة للغاية أن تحمل كل هذه الطاقة التي نشأ منها هذا الكون الفسيح؟ وهل حقاً يمكن أن يكون كل هذا الكون مجرد جزء صغير يسبح داخل ثقب أسود عملاق؟
ماذا إذن عن الحجم الفعلي للكون أو الأكوان إذا ما كان كوننا أسير ثقبٍ أسود؟ وكيف نشأ كل ذلك إذا كان الانفجار الكبير يفسر نشأة كوننا فقط لا نشأة ذلك الثقب ولا ما حوله؟.. ثم إلى أين يمضي؟ إن الله عز وجل هو الأول والآخر، وهو خالق كل شيء، وبيده الأمر كله، بديع السموات والأرض، ولو كنتُ أستاذاً للفيزياء الكونية وسألني الطلاب مثل هذه الأسئلة.. لأجبتُ بما أجاب به القديس أوغسطين قبل أربعة عشر قرناً، ثم قمتُ بمغادرة القاعة، وإغلاق الهاتف!
*كاتب مصري
إقرأ المزيد


