جريدة الإتحاد - 1/24/2026 11:50:30 PM - GMT (+4 )
نحن عند لحظةٍ مفصلية في تطوّر الأسواق المالية الأميركية. فالتقدّم التكنولوجي يتيح ابتكار منتجات ومنصّات ونماذج أعمال جديدة بالكامل، ما يُحدث تحولاً في مشهد الخدمات المالية كما نعرفه. وبفضل الرئيس دونالد ترامب، بات الكونجرس اليوم على أعتاب إقرار تشريع تاريخي لتنظيم هيكل أسواق الأصول الرقمية، من شأنه أن يوفر وضوحاً تنظيمياً طال انتظاره لصناعة أميركية تجسّد وعد المستقبل.
تلعب لجنة تداول السلع الآجلة دوراً مهماً في صياغة القواعد لهذا الأفق الجديد في عالم المال. فقد تأسست اللجنة في البداية لتعزيز انتظام العمليات في أسواق التسليم الآجل للمنتجات الزراعية. ولكن مع تطور الابتكار الذي مكّن رأس المال من تحقيق كفاءة أعلى باستمرار، أدرك واضعو السياسات أن هذه الهيئة، بخبرتها الواسعة في تنظيم مختلف القطاعات، من اللحم المقدد إلى مقايضات التخلف عن سداد الائتمان، تتمتع بقدرة فريدة على الإشراف على الأسواق الجديدة والناشئة.
اليوم، يستفيد المبتكرون من تقنيات، مثل سلاسل الكتل والذكاء الاصطناعي ليس فقط لتحديث الأنظمة المالية التقليدية، بل لبناء أنظمة جديدة كلياً. والروح نفسها التي دفعت المزارعين الأميركيين إلى استصلاح السهول الكبرى تُلهم روّاد الأعمال اليوم لترك التمويل التقليدي وخوض غمار أراضٍ جديدة غير مستكشفة.
يمكن لأي شخص يمتلك هاتفاً ذكياً واتصالاً بالإنترنت الوصول إلى أسواق مالية قائمة على سلاسل الكتل، وهي أسواق لا مركزية تعمل على مدار الساعة، سبعة أيام في الأسبوع، طوال أيام السنة. وفي الوقت نفسه، تتيح التطورات في الذكاء الاصطناعي اكتشاف أساليب للتحوّط من المخاطر قد يغفل عنها حتى أكثر المهنيين خبرة. تُسهّل هذه التقنيات دخول السوق، وتُوسّع نطاق أدوات إدارة المخاطر، وتُمكّن المشاركين من تصميم استراتيجيات تُناسب احتياجاتهم وتفضيلاتهم الفردية. إن الحماس المُحيط بالإمكانيات اللامحدودة التي تُتيحها هذه التقنيات واضحٌ جليّ، ونشهد زيادة في المشاركة في أسواق سعت الإدارة السابقة إلى تجاهلها أو حتى إلغائها تماماً.
وبدلا من تطوير أطر تنظيمية تشجّع الإبداع، ركّزت إدارة بايدن على التنظيم القائم على الإنفاذ، فأخضعت منتجات مبتكرة، مثل الأصول الرقمية والعقود الآجلة الدائمة لقواعد تقليدية لا تلائم المنتج، لكنها تلائم الادعاء القانوني. هذا النفور من الابتكار دفع العديد من أكثر الشركات ريادة إلى الخارج، ودفع المواطنون الأميركيون العاديون الثمن.
وعلى الرغم من أخطاء الإدارة السابقة، ما تزال أميركا موطن أعظم المبتكرين، وتبقى أسواقنا الأعمق والأكثر سيولة في العالم. إن مثل هذه الإرث تُبنى على مدى عقود، لكنها لا يمكن أن تصمد وحدها. وعلى لجنة تداول السلع الآجلة وغيرها من الجهات التنظيمية المالية أن تطوّر قواعد واضحة وملائمة للغرض، تتيح لروّاد الأعمال بناء الجديد، مع الاستمرار في حماية الجمهور من الاحتيال وعمليات النصب والتلاعب بالأسواق.
ولضمان جاهزية هيئة تداول السلع الآجلة لمواكبة ابتكارات الغد، يجب أن تتكيف لوائحها مع احتياجات الشركات الناشئة في بلادنا. لهذا السبب أطلقتُ مبادرة «الجاهزية للمستقبل». فبينما قد تكون القواعد القديمة المصممة لعقود السلع الزراعية الآجلة مناسبة لتلك الأسواق اليوم، إلا أنها لا تأخذ في الحسبان المنتجات أو منصات التداول الناشئة. وكما تُحدّث الشركات الأميركية الأنظمة المالية التقليدية عبر تسخير التقنيات الجديدة، ينبغي على اللجنة تحديث نهجها لإطلاق العنان للابتكار. وفي إطار هذه المبادرة، سيجري موظفو اللجنة مراجعة شاملة للوائحها الحالية وتحديث متطلباتها لضمان تكافؤ الفرص بين الداخلين الجدد واللاعبين القائمين على حد سواء.
ومع ظهور فئات أصول جديدة وتطوّر دور اللجنة، ينبغي ألا تقتصر الإرشادات التي نضعها على ملاءمة المنتج فحسب، بل إن تخدم غرضاً تنظيمياً مُصمماً خصيصاً له. فقد شهدت أسواق التنبؤ ازدهاراً كبيراً مع سعي شرائح واسعة من المشاركين إلى التحوّط من مخاطر المحافظ واختبار قدراتهم على توقّع الحقيقة. وبالمثل، نما اقتصاد الأصول الرقمية من مجرد تجربة في علم التشفير إلى سوق تتجاوز قيمته 3 تريليونات دولار، مع تنوّع متزايد للأصول التي تُنشأ على شبكات سلاسل الكتل.
إذا ما وافق الكونجرس على جعل أميركا عاصمة العملات المشفرة في العالم، وأحال تشريعا يُنظم سوق الأصول الرقمية إلى الرئيس، فستكون أمام هيئة تداول السلع الآجلة مجموعة واسعة من المسؤوليات الجديدة. فلنُسلم الراية، وسنضمن ازدهار هذه الأسواق محلياً من خلال أطر تنظيمية مُصممة خصيصاً لها، تُحافظ على مكانة الأسواق الأميركية كأفضل الأسواق في العالم.
لن تصمد القواعد التعسفية والمعقدة والغامضة أمام اختبار الزمن. ينبغي أن يكون نهج لجنة تداول السلع الآجلة هو تقديم الحد الأدنى الفعال من التنظيم - لا أكثر ولا أقل. وهذا يعني وضع حدٍّ لصنع السياسات من خلال الإنفاذ. ويعني أيضاً أن أقسام صنع السياسات في الوكالة ستضع قواعد واضحة للمشاركين في السوق، تُقنَّن من خلال عملية إصدار القواعد بعد الإخطار والتعليق، لضمان عدم تغير المتطلبات التنظيمية بشكل جذري من إدارة إلى أخرى.
لقد شكّل الرئيس فريقاً متميزاً في مجال التنظيم المالي، ويشرفني أن أكون جزءاً منه. ولتحقيق العصر الذهبي للأسواق المالية الأميركية، كما قد يسميه الرئيس، يجب على الجهات التنظيمية التخلي عن الممارسات التنظيمية الجامدة والمقيدة. وستغتنم لجنة تداول السلع الآجلة هذه الفرصة التاريخية لتحديث نهجها التنظيمي وتأمينه للمستقبل، وضمان أن تُصنع الابتكارات العظيمة اليوم وغداً في أميركا.
مايكل س. سيليج*
رئيس لجنة تداول السلع الآجلة الأميركية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


