التزييف العميق: مخاطر المقاطع المعدلة بالذكاء الاصطناعي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

حمل التطور السريع في تقنيات التزييف العميق خلال السنوات الأخيرة مخاطر اقتصادية متنامية، تتراوح بين مجرد نشر معلومات غير صحيحة أو مضللة وصولاً إلى ضرب استقرار الدول واقتصاداتها وتهديد سمعة الشركات والمؤسسات المالية المحلية والدولية، وأدت هذه التقنيات إلى ارتفاع حوادث الاحتيال الإلكتروني مما فرض أعباء إضافية على الدول والحكومات والشركات إضافة إلى الأفراد لكشف التزييف العميق، والتصدي للجرائم المرتبطة والتي تهدد قطاعات الخدمات المالية خاصة مع تنوع أساليب التزييف العميق سواء عن طريق التلاعب بالمقاطع المصورة او الصوتية أو إرسال مقاطع عبر البريد الإلكتروني وغيرها من أساليب جعلت من المقاطع المعدلة بالذكاء الاصطناعي خطراً لابد من مواجهته بشكل حاسم وتوعية الأفراد بمخاطره المتشعبة.

ففي ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، تبرز تقنيات التزييف العميق كأحد أخطر التحديات الرقمية المعاصرة، بسبب ما تتمتع به من قدرة عالية على إنتاج محتوى مرئي أو صوتي شديد الواقعية يصعب تمييزه عن الحقيقي. ويكمن الخطر الرئيس في أن هذه التقنيات، أصبحت أداة فعالة للتضليل والخداع ونشر معلومات غير صحيحة، مما يفرض ضرورة التعامل مع التزييف العميق بوصفه تهديداً رقمياً متنامياً يتطلب فهماً عميقاً لطبيعته، وإدراكاً لمخاطره، وتطوير آليات واضحة للحد من تأثيراته السلبية على المجتمعات.
وتتجلى مخاطر التزييف العميق بشكل مباشر على الأفراد، حيث يمكن استخدام الصور أو الأصوات المزيفة في الإساءة للسمعة، أو الابتزاز، أو انتحال الهوية، أو تنفيذ عمليات احتيال معقدة تستهدف الضحايا نفسياً ومالياً، كما أن الأفراد غالباً ما يفتقرون للأدوات التقنية التي تمكّنهم من اكتشاف هذا النوع من المحتوى، ما يجعلهم عرضة للتضليل أو الاستغلال، ويزداد الخطر عندما يتم تداول هذه المقاطع على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتحول الأكاذيب الرقمية إلى حقائق متداولة يصعب تصحيحها، مما يسبب أضراراً طويلة الأمد على المستوى الشخصي والاجتماعي.
أما على مستوى المؤسسات، فيمثل التزييف العميق تهديداً مباشراً للوضع المالي والاقتصادي، إذ يمكن استغلاله في تنفيذ عمليات احتيال مالي، مثل تقليد أصوات أو صور قيادات تنفيذية لإصدار تعليمات مزيفة بتحويل أموال أو تسريب بيانات حساسة، كما قد يؤدي انتشار هذا النوع من المحتوى إلى تقويض الثقة في الاتصالات الرقمية، ورفع تكاليف التحقق والتأمين، وإرباك عمليات اتخاذ القرار، وفي بيئة الأعمال المعاصرة التي تتميز بالرقمنة والسرعة قد تتسبب هذه الهجمات في خسائر مالية جسيمة، وتشويه السمعة المؤسسية، وتعطيل سلاسل الإمداد والإنتاج.
ويمتد أثر التزييف العميق إلى اقتصاد الدول نفسها، حيث يمكن توظيفه في حملات تضليل منظمة تهدف إلى زعزعة الاستقرار، أو التأثير على الرأي العام، أو تشويه صورة الدول ومؤسساتها، أو التأثير في الأسواق والقرارات الاقتصادية، كما يسهم في نشر الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة التي تضعف الثقة في الإعلام والمؤسسات الرسمية.
 وفي ظل الانتشار الواسع لهذه التقنيات، باتت الدول تواجه تحدياً حقيقياً في حماية أمنها المعلوماتي، والحفاظ على مصداقية الخطاب العام، والتصدي لاستخدام الذكاء الاصطناعي كأداة حرب رقمية ناعمة.ونتيجة لهذه المخاطر على مختلف المستويات فلابد من وجود استراتيجية مواجهة دقيقة لتعزيز قدرات الاكتشاف المبكر للمقاطع المعدلة بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، وذلك من خلال الجمع بين الوعي والثقافة السيبرانية السليمة ونشرها بين المواطنين لتعزيز قدراتهم على إدراك المخاطر الكامنة في هذا النوع من المخاطر وتعزيز القدرة على الحد منها واكتشافها وإبلاغ السلطات بشكل فوري، إضافة لتعزيز البينة الرقمية للدول واستخدام الأدوات التقنية المتقدمة والتي تشمل مؤشرات اكتشاف المحتوى المزيف وحذفها بشكل فوري، وتأكيد دور المؤسسات والشركات في تعزيز أمنها السيبراني وإضافة الإجراءات اللازمة والمتطورة بشكل دوري لمنع أي خلل قد يكون ناتجاً عن هذه المقاطع أو التزييف العميق.


وفي النهاية فإن الوقاية والتعاون المشترك يمثلان حجر الأساس في الحد من مخاطر التزييف العميق، من خلال وضع أطر تنظيمية واضحة، وتعزيز المسؤولية الفردية والجماعية والأخلاقية لمطوري التقنيات، وتفعيل دور المنصات الرقمية في رصد المحتوى المزيف والحد من انتشاره، كما تبرز أهمية الإبلاغ الفوري عن المحتوى المشبوه، وعدم إعادة نشره، ودعم المبادرات التوعوية التي تعزز الثقة في الفضاء الرقمي. وبالتالي من خلال تكامل الجهود بين الأفراد والمؤسسات والحكومات، يمكن تدشين بيئة رقمية أكثر أماناً وقدرة على مواجهة تحديات التزييف العميق في عصر الذكاء الاصطناعي.
*رئيس مجلس الأمن السيبراني في حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة. 



إقرأ المزيد