من أبوظبي إلى دافوس: كيف تقدّم الإمارات نموذج الدولة الحديثة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

حين يتحدّث صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عن الشراكات الدولية، فإنه لا يتناولها بوصفها أداة دبلوماسية تقليدية أو إطاراً بروتوكولياً للعلاقات الخارجية، بل يطرحها كخيار استراتيجي لإدارة عالم يتّسم بدرجة غير مسبوقة من التعقيد وعدم اليقين.
وقد أكّد سموه، في تدوينة على منصة «إكس» بمناسبة انعقاد أسبوع أبوظبي للاستدامة 2026، أن «الإمارات شريك فاعل في بناء حلول عالمية تحقق التنمية والازدهار للأجيال القادمة، وتؤمن بأن التعاون والابتكار والشراكات الدولية هي الأساس لمواجهة تحديات المستقبل».
هذه الرؤية لا تبقى حبيسة الخطاب السياسي، بل تتجسّد عمليّاً عبر مسارين دوليين متكاملين تُناقَش فيهما القضايا الكبرى للنظام الدولي: منتدى دافوس بوصفه منصة لصياغة الاتجاهات العالمية، وأسبوع أبوظبي للاستدامة بوصفه منصة لتحويل هذه الاتجاهات إلى سياسات ومشاريع قابلة للتنفيذ.
فالجمع بين فضاء تُنتَج فيه الأفكار الكبرى، وآخر تُختَبَر فيه قابليتها للتطبيق، يعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة التحوّل الذي يمرّ به النظام الدولي.
فالعالم لم يعد يُدار وفق نموذج الدولة التي تحتكر القرار وتفرضه من أعلى، بل بات يُدار عبر شبكة معقّدة من الشراكات، تتقاسم فيها الدول، والشركات العابرة للحدود، والمؤسسات الدولية، والمنصات التكنولوجية، أدوار التنظيم والتنسيق وإدارة الأزمات. وفي هذا السياق الجديد، لا تتراجع الدولة عن دورها، لكنها تعيد تعريف وظيفتها: من سلطة تُصدر القرار، إلى فاعل يدير التعقيد، ويصنع المنصّات، ويوفّر البيئات التي تسمح بتلاقي المصالح وتكاملها بدل تصادمها.
وفي دافوس، لا يُناقَش هذا النظام الجديد بوصفه أطروحة نظرية، بل يُختَبر كواقع حيّ يتشكّل خارج منطق السيطرة التقليدية؛ إذ لم يعد المنتدى ملتقى اقتصادياً صرفاً، بل تحوّل إلى مساحة تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والحوكمة، حيث تتراجع أدوات الضغط المباشر لصالح إدارة المصالح وبناء التوافقات.
ومن هنا تكتسب مشاركة الإمارات في دورة 2026 دلالتها الحقيقية، بوصفها انتقالاً من حضور يكتفي بالمشاركة إلى دورٍ فاعل يسهم في صياغة النقاش الدولي وتحديد أولوياته. وهو انتقال يعكس إرادة واضحة للانخراط المؤثر في تشكيل أجندة المستقبل العالمي، وتقديم نموذج متكامل لدولة تعرف كيف تنافس وتؤثر في عالم يقوم على الترابط والتشابك.
وتتعمّق أهمية هذه المشاركة حين تنصبّ على الملفات التي تعيد صياغة منطق التنافس الدولي في العقود المقبلة، وفي مقدمتها حوكمة الذكاء الاصطناعي، والاستدامة، وتحديث عمل الحكومات، ورفع كفاءة المؤسسات، وبناء الثقة في عالم شديد الاضطراب. ففي هذا السياق، لم تعد الشرعية نتاج احتكار القرار، بل ثمرة القدرة على جمع الفاعلين المختلفين وصياغة حلول واقعية قابلة للتنفيذ، كما لم يعد النفوذ يُقاس بفرض السرديات أو امتلاك أدوات الضغط، بل بحجم الإسهام الفعلي في معالجة الأزمات العالمية وتوجيه مساراتها المستقبلية.
وقد انعكس هذا التحوّل بوضوح في المؤشرات الدولية التي أُعلنت على هامش المنتدى، حيث حلّت الإمارات في المركز العاشر عالمياً ضمن مؤشر القوة الناعمة لعام 2026، وتقدّمت إلى المركز الثاني في العطاء، والثالث في فرص النمو الاقتصادي، والسابع في قوة الاقتصاد واستقراره، والثامن في التأثير الدبلوماسي والتقدم العلمي والإبداع. وهي نتائج لا تعبّر عن تحسّن في الصورة الذهنية فحسب، بل تكشف عن انتقال نوعي في مفهوم النفوذ ذاته؛ نفوذ يقوم على الثقة المتراكمة، والاستقرار المؤسسي، والموثوقية، والقدرة على تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى إنجازات ملموسة ذات أثر عالمي.
وفي بُعد أكثر اتصالاً بالمستقبل، تصدّرت الإمارات دول العالم في نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي بين السكان في سنّ العمل بواقع 64% بنهاية عام 2025، وهو رقم يتجاوز كونه مؤشر انتشار تقني، ليعّبر عن انتقال الدولة من مرحلة استهلاك التكنولوجيا إلى مرحلة دمجها المؤسسي العميق في أنماط العمل والإدارة وصنع القرار.
ومن هنا تطرح الإمارات تصوراً متقدماً لما يُعرف بـ «التنظيم الذكي»، القائم على الانتقال من القوانين الجامدة إلى أطر تنظيمية مرنة تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي، وتتعلّم من الواقع وتتكيّف مع المتغيرات. فالتشريع في هذا النموذج يستبق المخاطر، ويوازن بين حماية المصلحة العامة وتشجيع الابتكار.
ومن هذا الفهم يتبلور نموذج «الدولة المنصّة»، حيث تعمل الدولة كمنسّق ذكي يضع القواعد العامة، ويوفّر البنية التشريعية والتقنية، ويهيّئ بيئة تفاعلية تسمح للحكومات، والقطاع الخاص، والمبتكرين، بالعمل ضمن إطار واضح يقوم على الثقة والمتابعة الذكية. وبهذا المعنى، تتحوّل الدولة من جهة تُدير التفاصيل إلى جهة تُدير النظام ككل، وتحوّل التكنولوجيا من أداة تقنية إلى رافعة تنموية واقتصادية.
ولا ينفصل هذا الحضور الفكري عن بعد رمزي جسّده جناح الإمارات في دافوس للعام الرابع على التوالي تحت شعار «لا شيء مستحيل»، بوصفه اختصاراً لفلسفة دولة تراكم إنجازاتها بهدوء، وتعرض خبرتها كنموذج قابل للتعلّم والنقل، لا كوصفة مغلقة.
غير أن اكتمال هذا النموذج يتجلّى بوضوح في أبوظبي؛ فأسبوع أبوظبي للاستدامة لا يأتي بوصفه حدثاً بيئياً أو تقنياً فحسب، بل امتداداً تنفيذياً لما يُناقش في دافوس. ففي أبوظبي تتحوّل الحوارات إلى التزامات، والشراكات إلى مشاريع والأفكار إلى سياسات طويلة الأمد. وبذلك لا تتحرّك الإمارات بين منصتين، بل تصنع مساراً واحداً: دافوس لصياغة الإجماع، وأبوظبي لتحويله إلى واقع.
وهنا تتجلّى رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في أن الدولة المؤثرة لا تكتفي بالمشاركة في النقاش العالمي، بل تتحمّل مسؤولية استضافة الحلول وصنعها. فالشراكة ليست موقفاً عابراً، بل التزام طويل الأمد ببناء الثقة وتوفير الاستقرار، وربط المصالح العالمية ضمن إطار يخدم الإنسان والتنمية.
وهكذا، بين دافوس وأبوظبي، تقدّم الإمارات نموذج دولة حديثة تدرك أن النفوذ الحقيقي في القرن الحادي والعشرين لا يُقاس بقدرة الدولة على فرض إرادتها، بل بقدرتها على الجمع، والتنفيذ، وبناء الثقة وصناعة المستقبل.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح الدول الأخرى في استيعاب هذا التحوّل، أم ستبقى أسيرة نماذج تقليدية لا تصلح لعالم يتغيّر بهذه السرعة؟


*كاتب وباحث إماراتي



إقرأ المزيد