«مجلس السلام» وصعوبات الطريق
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

أحياناً ما يلجأ خصوم الرئيس دونالد ترامب إلى اتهامه بالتحريض على الحروب، وتحدي القانون الدولي والرأي العام العالمي. وربما توضح خطته التي تخلى عنها مؤقتاً، بشأن انتزاع جزيرة غرينلاند من الدنمارك، سواء «بالطريقة السهلة» أو «الصعبة»، سببَ هذا الوصف الصادر من خارج قاعدة مؤيدي ترامب.

ورداً على تلك الاتهامات، أعلن ترامب عن تشكيل مجلس سلام، وصفه في رسالةِ دعوةٍ مُفعمة بالحماس إلى رئيس وزراء السويد، بأنه يهدف إلى «جمع نخبة من الدول المُستعدة لتحمل المسؤولية النبيلة لبناء سلام دائم». وبغض النظر عن الاختلافات بين ضم ترامب المُزمع لغرينلاند ومحاولته إنشاء «المجلس الأكثر إثارة للإعجاب والأكثر تأثيراً»، فإنهما يجسّدان نفسَ الدافع، وهو أن ترامب - كما يقول خصومه - يريد فعلَ ما يشاء، أينما يشاء، دون قيود، وجنيَ أموال كثيرة من وراء ذلك.

ولم تكن لدى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أدنى فكرة، عندما وافق في نوفمبر الماضي على إنشاء «مجلس السلام»، ولم يكن يَدري أنه ساهم في إنشاء منافس محتمل للأمم المتحدة نفسها. وكان هدف المجلس إنشاء آلية حكم لقطاع غزة خالية من سيطرة حركة «حماس». ولم يتحقق هذا الهدف، إذ لا تزال الحركة تسيطر على نصف غزة وترفض نزعَ سلاحها، بينما تسيطر إسرائيل على النصف الآخر. وذلك يجعل من المستحيل تنفيذ خطة البيت الأبيض الطموحة لتحويل القطاع المدمر إلى مركز للتكنولوجيا والسياحة. وفي منتدى دافوس الاقتصادي، الأسبوع الماضي، كشف ترامب عن مجلس السلام الذي يتجاوز غزة ويمتد نطاقه عالمياً.

ولم يصدر البيت الأبيض اللائحة الداخلية للمجلس رسمياً، لكن صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» حصلت عليها. وتوضح اللائحة أن المجلس متعدد الأطراف بالاسم فقط، فبينما يوجد مجلس تنفيذي، يضم شخصيات بارزة من مؤيدي ترامب، مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف وماركو روبيو، تتركز جميع السلطات في يد الرئيس نفسه.

وبحسب الميثاق، يتمتع «الرئيس» بصلاحية دعوة الدول للانضمام إلى المجلس، وحق النقض (الفيتو) على القرارات، وحل المجلس، و«اعتماد القرارات أو التوجيهات الأخرى»، وحتى الموافقة على ختمه الرسمي. والرئيس المقصود ليس رئيس الولايات المتحدة، بل ترامب شخصياً، ولا ينص الميثاق على تنحيه عند انتهاء ولايته الرئاسية. ويستطيع ترامب إدارة مجلس السلام حسب رغبته، وله صلاحية اختيار مَن يُخلفه. وإذا أراد أي عضو البقاءَ في المجلس لأكثر من ثلاث سنوات، فعليه المساهمة بمليار دولار. أما مصير هذه الأموال فغير واضح.

وينص الميثاق ببساطة على أنه: «يجوز لمجلس السلام أن يُصرح بإنشاء حسابات حسب الحاجة لتنفيذ مهمته». وهذا يعني أنه في حال بادرت الدول بالمساهمة، فسيتمكن ترامب من الوصول إلى صندوق ضخم غير معلن، مستقل عن سلطة الكونرس، على غرار الحسابات المصرفية التي أُنشئت لعائدات مبيعات النفط الفنزويلي تحت إشراف الإدارة الأميركية.ويتضح سبب توخي العديد من المدعوين إلى مجلس السلام الحذر، فهم يفضلون دعم الولايات المتحدة للمؤسسات الدولية القائمة (حيث أعلن البيت الأبيض مؤخراً انسحابَه من 66 مؤسسة دولية)، بدلاً من إنشاء مؤسسة جديدة يهيمن عليها ترامب بالكامل.

وحتى الآن، لا توجد دلائل على أن أي دولة دفعت مقابل هذا الامتياز. بل خاطرت بعض الدول، مثل فرنسا والسويد وإسبانيا، بإثارة غضب ترامب برفضها الانضمام. أما كندا، فتم استبعادها لأن ترامب لم يُعجبه خطاب رئيس وزرائها مارك كارني في دافوس، والذي دعا فيه القوى المتوسطة إلى التكاتف ضد سطوة القوى العظمى. في حين تلتزم غالبية الدول الصمت، على أمل أن يتشتت انتباه ترامب وتختفي هيئة السلام، كما اختفت فكرة ضم غرينلاند. وعلى الأرجح، فسيتم طي فكرة المجلس كما طُويت محاولات الرئيس جو بايدن الطموحة لإنشاء مجتمع عالمي للديمقراطيات. وإن تم تذكّره، فسيكون ذلك كدليل على ميل ترامب إلى جعل كل شيء، حتى السعي النبيل لتحقيق السلام العالمي، وسيلةً لتعظيم الدور والحضور.

*زميل بارز في مجلس العلاقات الخارجية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لاينسج آند سينديكيشتن»



إقرأ المزيد