محمد بن زايد.. وإمارات التوازن
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في زمن تتجاور فيه الحروب مع اضطراب سلاسل الإمداد، وتتحول فيه التكنولوجيا إلى ساحة صراع موازية للدبلوماسية، لم تعُد مكانة الدول تُقاس بحدة الخطاب أو اتساع الضجيج، بل بقدرتها على خفض المخاطر وبناء حلول قابلة للتطبيق. في هذا السياق تبرز دولة الإمارات، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، كنقطة توازن تُستدعى عندما تتعقد الأزمات، لا لأنها تُعدّ بمثاليات، بل لأنها تراكم نفوذاً عملياً عبر مزيج محسوب من التنمية، والحوكمة، والتقنية، والدبلوماسية الهادئة.

الإمارات رائدة اقتصاد السلام وفق ملف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ذلك أن إجمالي المساعدات الخارجية منذ 1971 وحتى منتصف 2024 تجاوز 98 مليار دولار أميركي. 
ومنذ اندلاع الصراع في أكتوبر 2023 وحتى نوفمبر 2024، ساهمت الإمارات العربية المتحدة بمبلغ 828 مليون دولار (3.04 مليار درهم) في مساعدات غزة، وهو ما يمثل 42% من إجمالي الدعم المقدم للفلسطينيين، ولا تزال في 2026 هي المانح الأكبر للقضية الفلسطينية والأهم من الرقم هو نمط القرار: ميزانيات منتظمة لبرامج إنسانية وتنموية حتى في بيئة دولية مضطربة، بما يجعل المساعدات تنموية وأداة استقرار لا مجرد استجابة طارئة.

ومن جهة أخرى، تُعد قوة الحوكمة علامة فارقة للسياسات الإماراتية، ففي 23 فبراير 2024 لم تعُد الإمارات في قائمة مجموعة العمل المالي للدول الخاضعة للمراقبة المعزّزة، بعد خطوات لتعزيز فعالية نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو مؤشر على ثقة دولية في قدرة الدولة على المواءمة بين الانفتاح الاقتصادي ومتطلبات الامتثال، بما يحافظ على انسيابية التمويل والتجارة في لحظات التوتر.

ويأتي البعد الدبلوماسي كترجمة مؤسساتية لهذه الثقة، فقد أصبحت الإمارات عضواً منتخباً في مجلس الأمن للفترة 2022–2023، وتولّت رئاسته مرتين، وهي مواقع لا تُمنح إلا لمن يملك شبكة علاقات وقدرة على بناء توافقات. وخلال تلك الفترة، أعلنت الإمارات عن تبني قضايا عابرة للملفات مثل السلم والأمن، والمرونة، والتكنولوجيا لخدمة السلام.
وعن قوة المستقبل: الذكاء الاصطناعي كسياسة دولة، تتوقع تقديرات PwC أن يضيف الذكاء الاصطناعي للاقتصاد الإماراتي نحو 96 مليار دولار بحلول 2030، أي قرابة 13.6% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذه النسبة تضع التقنية في قلب معادلة القوة الوطنية: رفع الإنتاجية، وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز الجاهزية أمام الصدمات. لذلك يصبح الاستثمار التقني جزءاً من السلام الوقائي: تقليل نقاط الانهيار قبل أن تتحول إلى اضطرابات سياسية واجتماعية.

ولم تكتفِ الإمارات بالاستثمار، بل أسّست بنية للذكاء الاصطناعي مبكراً: ففي عام 2017 أنشأت منصب وزير دولة للذكاء الاصطناعي بوصفه الأول من نوعه عالمياً، كما وثقته اليونسكو. وفي 2019 أُنشئت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي كأول جامعة دراسات عليا بحثية مكرّسة للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم. وهذا يفسر فكر رئيس دولة الإمارات في حوكمة التقنية.
ومن هنا تتضح إجابة السؤال: لماذا يلجأ العالم إلى الإمارات؟ لأن إدارة الأزمات الحديثة تحتاج ثلاث خصائص معاً: موارد تترجم بسرعة إلى فعل، ومؤسسات تضبط القرار وتحد من الارتجال، وقدرة على التواصل عبر خطوط الانقسام دون أن تتحول إلى طرف يستفيد من استمرار النزاع. سجل المساعدات الموثق، والانضباط المالي المعترف به، والحضور الدبلوماسي في مجلس الأمن، ورهان الدولة المبكر على اقتصاد الذكاء الاصطناعي، كلها عناصر تنتج ثقة تشغيلية يطلبها الشركاء عندما تضيق الخيارات. الإمارات محل ثقة المجتمع الدولي، وهو ما سيظهر جلياً في الفترة القادمة في تصريحات المؤسسات الأممية وقيادات العالم، ومطالبة الغرب الحتمية بدور للإمارات في الملفات الأكثر حساسية لكونها الأكثر احترافية في العالم، وهو ما تقر به القوى الكبرى وتدرك أهميته لضمان أمن ممرات العالم والعقد الحيوية التي تعد بمثابة صمام الأمان للاقتصاد والسلام العالمي.
في مرحلة يتآكل فيها النظام الدولي تحت ضغط الحروب الممتدة، وتسييس التكنولوجيا، وتراجع الثقة بين القوى الكبرى، بات البحث عن مراكز توازن أكثر إلحاحاً من البحث عن قوى لديها هيمنة أو طموح الهيمنة. 
وفي هذا السياق، لم تعد القيادة تُقاس بقدرة الدولة على فرض إرادتها، بل بقدرتها على خفض مستوى المخاطر النظامية، ومن هذا المنظور تحديداً، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، كأحد أهم الفاعلين القادرين على إدارة التعقيد العالمي دون الانزلاق إلى منطق الاستقطاب، ولا سيما أن الإمارات قوة عظمى فعلياً بالأرقام والإحصائيات عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي والدبلوماسية المؤثرة والتأثير في المجالات الحيوية واقتصاد المعرفة، وهو في المختصر سلاح الحاضر والمستقبل الأهم، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد الرمز الأكثر تأثيراً في خلق التوازنات العالمية، ووصفته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بـ«القائد الأكثر تأثيراً في الشرق الأوسط».
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات. 



إقرأ المزيد