العالم والحاجة إلى العقلانية في ملف المناخ
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 مساعي إدارة ترامب لتدقيق الالتزامات الدولية من منظور الانضباط المالي والمصلحة الوطنية تُجبر المؤسسات العالمية على إعادة النظر في سياساتها. وبينما قد تجد بعض هذه الهيئات صعوبة في تبرير استمرار تمويلها في ظل التدقيق الصارم، فإن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ تستحق إعادة تقييم.
هنا تكمن المعضلة الأساسية: لطالما كانت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ الحصن الأكثر فعالية في العالم ضد التهويل بشأن تغير المناخ. فمن خلال تلخيصها الدقيق للأسس العلمية - التي لا تزال في معظمها غير مثيرة للقلق - تمكنت من كبح جماح الروايات المتطرفة وإعادة النقاشات السياسية إلى الأدلة. قد يصرخ النشطاء بعبارات مثل «انهيار مناخي» أو «غليان عالمي»، لكن هذه العبارات لم ترد ولو لمرة واحدة في أحدث تقرير تجميعي للهيئة.
ويؤكد التقرير الأساسي للعلوم الفيزيائية، المعروف باسم «فريق العمل الأول»، أن تغير المناخ حقيقة واقعة ومثيرة للقلق، ولكنه أبعد ما يكون عن الكارثة المروعة التي تتصدر عناوين الأخبار.
للأسف، انحرفت بعض أقسام الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ عن مسارها، ووقع بعضها ضحيةً لنشطاء يبالغون في أسوأ السيناريوهات ويقللون من شأن تكاليف التكيف والسياسات. وقد زعموا أن الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا قد تختفي بحلول عام 2035، وهو إدعاء ثبت خطؤه بشكل قاطع. وبالمثل، فإن «ملخص صناع السياسات» الذي يُنشر قبل صدور النتائج العلمية الفعلية غالباً ما يُشوّه تحليل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في محاولةٍ منه لجذب انتباه وسائل الإعلام.
تواجه الولايات المتحدة خياراً في هذه اللحظة الحاسمة. فالانسحاب الكامل، كما أعلنت إدارة ترامب، يعني التخلي عن نفوذها على مسار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وترك زمام الأمور لهؤلاء الذين يثيرون الذعر والخصوم والأصوات الأقل دقة. وستكون النتيجة مزيداً من المبالغة المُسيّسة، ومزيداً من الهلع العالمي.
بدلاً من ذلك، ينبغي للولايات المتحدة البقاء والمشاركة واستخدام نفوذها الكبير بصفتها أكبر ممول للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. سيكون هذا الخيار زهيد التكلفة بشكل ملحوظ. في عام 2024، دفعت الولايات المتحدة حوالي 1.9 مليون دولار لتغطية أكثر من ربع ميزانية الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، متجاوزةً بذلك مساهمة الصين التي بلغت 23 ألف دولار في العام نفسه.
من التغييرات المفيدة التي يُمكن إجراؤها تركيز جهود الهيئة على إعادة تطبيق تقييمات دقيقة للتكاليف والفوائد، والتي تُظهر الحاجة إلى معالجة تغير المناخ، ولكن بوتيرة أقل حدة بكثير مما يطالب به العديد من دعاة العولمة.
إن إعادة توجيه اهتمام العالم نحو تكاليف تغير المناخ، وكذلك نحو تريليونات الدولارات التي تُهدر في سياسات المناخ، من شأنه أن يُتيح اتخاذ قرارات عالمية أفضل. ومن الأهمية بمكان أن تُعطي السياسات الأولوية للابتكار والتكيف والبحث والتطوير في التقنيات الخضراء.
كما أن البقاء في الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ من شأنه أن يُجنّبنا سيلاً أشدّ من الأخبار المُثيرة للذعر. فعلى سبيل المثال، لطالما أظهرت تقارير الهيئة القليل من الأدلة الداعمة للادعاءات المتكررة بشأن ازدياد حدة الأعاصير والفيضانات والجفاف وحرائق الغابات. مع ذلك، يميل اختيار مؤلفي التقرير الرئيسي القادم - المقرر صدوره عام 2029 - نحو الترويج لـ «إسناد الأحداث المناخية المتطرفة»، وهو ما لا يُفضي إلى رؤى علمية، بل إلى سرديات تُناسب التأثير الإعلامي والتقاضي ضد شركات الوقود الأحفوري. وقد روجت إحدى المؤلفات الرئيسيات لمواقفها السياسية بربطها تغير المناخ بقضايا مثل عدم المساواة والاستعمار والعنصرية.
مثل هذا التحول لن يؤدي إلا إلى إضعاف جودة المشورة المناخية العالمية. إذ ينظر محللو الإسناد أساسا إلى الظواهر الجوية السيئة - كالأعاصير والفيضانات والجفاف - لمعرفة ما إذا كان بالإمكان ربطها بالاحتباس الحراري. ويقومون بذلك من خلال تشغيل نماذج مناخية مع وبدون احتساب الاحتباس الحراري لاختبار ما إذا كانت الظاهرة السيئة أكثر احتمالاً في عالم أكثر دفئاً. ورغم أن هذا الأسلوب يُجدي نفعاً في الأخبار، إلا أنه يُهمل جميع الأماكن والأوقات التي لا تشهد ظواهر جوية سيئة. ويُستشهد بتغير المناخ في المناطق التي تشهد جفافاً متزايداً دون الإشارة إلى أنه يُقلل أيضاً من احتمالية حدوث الجفاف في أماكن أخرى. كما يتم تسليط الضوء على الوفيات الناجمة عن موجات الحر الشديدة دون مراعاة انخفاض موجات البرد التي تُنقذ أرواحاً أكثر بكثير على مستوى العالم.
قد تُعالج الإصلاحات هذا التحيز. بإمكان البيت الأبيض ضمان عدم انحراف الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ عن منهجيتها الدقيقة السابقة، التي لا تُقدر بثمن، بما يضمن استمرار فريق العمل الأول في الاعتماد على الأدلة مع الحد من المبالغات المُثيرة للذعر في أماكن أخرى.
لكن الإدارات الأميركية المتعاقبة لم تتمسك بالإصرار على الإصلاحات. لكن ضمان بقاء الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ عقلانية ومستندةً إلى العلم سيخدم المصالح الأميركية من خلال مواجهة الهوس بتغير المناخ الذي يُشتت الانتباه عن الأولويات العالمية المُلحة، بما في ذلك الأمن والطاقة والفقر والجوع والمرض. ومن شأن هيئة مُصلحة أن تُساعد في تعزيز أولويات عالمية واقعية، مما يُضعف الانقسامات الحزبية في الداخل ويُعزز التحالفات في الخارج.
وبالطبع، يبقى الانسحاب التام خياراً مطروحاً دائماً، إذا ما سلكت الهيئة مساراً لا رجعة فيه. لكن بأقل من مليوني دولار، يُمكن للولايات المتحدة تسخير نفوذها لصالح الخير. من خلال الإصرار على الصدق والفعالية من حيث التكلفة والتوازن، يُمكن لأميركا دعم الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لتقديم علوم مناخية دقيقة. هذا نفوذ يستحق الحفاظ عليه.
بيورن لومبورج *
*رئيس مركز كوبنهاجن للتوافق، وباحث زائر في معهد هوفر بجامعة ستانفورد.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد