جريدة الإتحاد - 2/7/2026 11:47:20 PM - GMT (+4 )
في خطابٍ لافتٍ أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في يناير، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن النظام الدولي القائم على القواعد بقيادة الولايات المتحدة ليس في مرحلة انتقالية، بل في حالة انهيار. وقد عبّرت هذه العبارة عن قلقٍ متزايدٍ يتجاوز حدود كندا: الشعور بأن الإطار الذي شكّل التجارة العالمية والأمن والدبلوماسية منذ عام 1945 يتداعى بوتيرةٍ أسرع من إمكانية إصلاحه. وأشار كارني إلى أنه إذا لم تعد واشنطن تضمن الاستقرار، فعلى القوى المتوسطة أن تستعد لبناء نظامٍ جديد. ويثير هذا التحدي تساؤلاً مُقلقاً: إذا كانت المظلة الأميركية تضعف، فما الذي سيحل محلها؟
يبدو أن البعض في واشنطن، بمن فيهم شخصياتٌ مُقرّبةٌ من إدارة ترامب، يتصوّرون عالماً مُقسّماً إلى مناطق نفوذ، حيث تُهيمن ثلاث قوى عظمى - الولايات المتحدة والصين وروسيا - على الأميركتين وآسيا وأوروبا على التوالي. ووفقاً لهذا التصوّر، تتكيّف الدول الأصغر ببساطة مع تفضيلات القوة العظمى التي تُهيمن على جوارها. إلا أن هذا الافتراض يتجاهل صلابة ما يُسمى بالقوى المتوسطة. مجتمعةً، لا تُعدّ هذه الدول صغيرةً ولا ضعيفة.
فالاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، وكندا، والبرازيل، والمكسيك، وتركيا، ودول الخليج، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، وإندونيسيا، ونيجيريا، وجنوب أفريقيا، وغيرها، تُمثّل مجتمعةً مليارات البشر وحصةً هائلةً من الناتج العالمي. ويُضاهي ثقلها الاقتصادي المُجتمع ثقل أي قوة عظمى. والأهم من ذلك، أن العديد منها دول ديمقراطية متقدمة تقنيا، تمتلك جيوشاً متطورة وشبكات تجارية واسعة. وهي قادرة على التأثير في الأحداث بدلاً من مجرد التفاعل معها. وقد جادل الرئيس ترامب بأن فرض تعريفات جمركية أحادية الجانب والمفاوضات الشاقة سيُعزز مكانة الولايات المتحدة ويُجبر الآخرين على التنازل.
لكن التاريخ يُشير إلى أن الحمائية نادراً ما تُؤدي إلى الطاعة. فالدول المُستهدفة تتكيف. وتسعى إلى أسواق جديدة، وتتفاوض على اتفاقيات تجارية بديلة، وتُطوّر تدابير مُعاكسة خاصة بها. وبدلًا من الانحناء لواشنطن، غالباً ما تُنوّع أنشطتها بعيداً عنها. والنتيجة هي التشرذم، لا الهيمنة. والإشارات الدبلوماسية واضحة بالفعل.
فقد زار رئيس الوزراء البريطاني «كير ستارمر» الصين أواخر يناير لمناقشة التجارة والاستثمار، في الوقت الذي يسعى فيه للحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة. وتنتشر استراتيجيات تحوط مماثلة في أنحاء أوروبا وآسيا. يدرك القادة أن الاعتماد على قوة واحدة ينطوي على مخاطر. ومن خلال تنويع استثماراتهم، يكتسبون نفوذاً ومرونة. من بروكسل إلى سيول، تتساءل الحكومات بهدوء عن كيفية تعزيز التعاون فيما بينها في حال تراجعت موثوقية الالتزامات الأميركية. وإذا بدأت هذه الدول بالتنسيق بجدية، فقد تكون التداعيات عميقة.
فتحالف من الديمقراطيات يجمع أسواقه وتقنياته وقدراته الدفاعية سيمثل مركز ثقل بديلاً في الشؤون العالمية. ولن يحل هذا التحالف محل الولايات المتحدة بين عشية وضحاها، ولن يضاهي حجم الصين فوراً. إذ يتطلب بناء سلاسل إمداد متكاملة ومعايير مشتركة وهياكل أمنية مشتركة وقتاً. لكن الاتجاه سيكون واضحاً لا لبس فيه: تقليل الاعتماد على قوة مهيمنة واحدة، وتوزيع القوة بشكل أكبر بين الشركاء. وقد يكون هذا النظام أكثر تعقيداً من النظام القديم، ولكنه قد يكون أيضاً أكثر توازناً.
بدلاً من عالم تهيمن عليه ثلاث إمبراطوريات متنافسة، قد يبدو العالم أشبه بشبكة من التحالفات المتداخلة، حيث يحرك التعاون –لا الإكراه - المصالح المشتركة. ولن تنتظر القوى المتوسطة إذناً للتحرك، بل ستضع أجنداتها بنفسها. وستحدد السنوات القادمة أي الرؤيتين ستسود.
فإذا تماسكت الديمقراطيات، فإنها تمتلك الموارد اللازمة لتشكيل بديل مستقر. أما إذا انقسمت، فإنها تخاطر بأن تصبح بيادق في صراع متجدد بين القوى العظمى. لذا، قد لا يمثل الشرخ الذي وصفه كارني مجرد نهاية، بل خياراً بين الاستسلام لمناطق النفوذ أو بناء تحالفات جديدة بعناية تعيد تعريف النظام العالمي لجيل جديد.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست».
إقرأ المزيد


