تأثير التجاذب الأميركي- الإيراني على لبنان
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

على هامش التجاذبات الأميركية والإسرائيلية مع إيران والتهديدات بوقوع حرب بينهما، ينشب أيضاً صراع داخلي بلبنان له علاقة بالتجاذبات السالفة الذكر. ويرجع ذلك إلى وجود تنظيم مسلَّح بلبنان شديد الولاء لإيران منذ عدة عقود. وهذا التنظيم يهدد الآن أنه سيتدخل في النزاع الناشب بسلاحه إذا هاجم الأميركيون أو الإسرائيليون إيران! وقد سبق لهذا التنظيم المسلَّح أن تحرّش بإسرائيل مراراً وردّت عليه إسرائيل بحروبٍ شعواء أفقدتْه معظم قوّته. بيد أنّ ذلك لم يُفقده حماسيات التدخل وشنّ الحرب رغم ضعف القدرات.
    آخر الحروب بين الحزب المسلَّح وإسرائيل (2023-2024) بحجة إسناد «حماس» بغزة، أدت إلى سقوط الآلاف وخرّبت آلاف المنازل بالداخل اللبناني واحتلال مناطق وبخاصة المناطق ذات الكثرة الشيعية. لقد دفع ذلك الإصرار من الجانب الدولي على تطبيق القرار رقم 1701 المعطل منذ العام 2006 ومن ضمن بنوده أن على الحكومة اللبنانية نزع سلاح الحزب. وقد نُفّذ القرار في الرقعة الواقعة على الحدود مع إسرائيل بجنوب لبنان، وبقي تنفيذ القرار على سائر أرض لبنان، وهو الأمر الذي يرفضه الحزب، ويُنذر أنه سيعود للتدخل إذا هوجمت إيران، ويخشى المسؤولون اللبنانيون أن يؤدي ذلك إلى المزيد من الخراب، وتهديد وجود الدولة والنظام. 
    وهكذا ينتظر اللبنانيون والعرب بفارغ الصبر تطورات النزاع والتفاوض بين أميركا وإيران، ويأملون الوصول لتسويةٍ من نوعٍ ما، باعتبار أن المنطقة ما عادت تتحمل المزيد من الحروب. 
    أما اللبنانيون من بينهم فلديهم المزيد من الرهانات والمشاكل. فسلاح الحزب لا يُهدد السلام الداخلي بسبب الاشتباك مع إسرائيل فقط، بل وبسبب أعبائه على الداخل السياسي والاجتماعي والاقتصادي. لأن التنظيم منذ عقود هو بمثابة كيانٍ مستقبلٍ داخل الدولة، ويتدخل في كل شيء، فضْلاً عن مشاركته في الحكومة والبرلمان، حيث يستطيع العرقلة والتعطيل للقرارات التي لا تعجبه، ومن ذلك معارضة حصرية السلاح بيد الدولة!
    إنّ هذه المسألة هي موضوع خلاف سياسي وأمني رئيسي بالداخل الذي تخترقه عدة نزاعات. قبل أيام قال المبعوث الأميركي توم برّاك (وهو من أصول لبنانية) إن النزاع اللبناني نظامٌ فاشل منذ ظهور لبنان الكيان عام 1920 لكثرة النزاعات والحروب الأهلية من قبل بدء النزاع مع إسرائيل. وهناك اليوم، بالإضافة إلى الافتراق حول سلاح الحزب، توجد أزمة مالية مستحكمة منذ العام 2019، حيث تحتجز البنوك ودائع اللبنانيين، ويتعاظم الدَّين العامّ كلَّ سنة، وهناك النزاع على قانون الانتخاب، إذ يريد السياسيون المسيحيون إعطاء المهاجرين المقيمين بالخارج حقَّ الاقتراع لزيادة أعدادهم، لأنّ أعداد المسيحيين المقيمين تتضاءل باطّراد، بينما تتزايد أعداد الشيعة والسنة. 
    لدى لبنان وعود كثيرة مشروطة بنزع سلاح الحزب، وبإجراء إصلاح مالي شامل من ضمنه إعادة أموال المودعين. وقد خفّ الحصار على لبنان بعد سقوط النظام السوري القديم الذي كان له نفوذ كبير في لبنان، كما كان يغصُّ بالميليشيات الإيرانية. وكما سبق القول فإنّ توم برّاك ليس بهذا التفاؤل.
    هكذا يظل لبنان رهينة تطورات المنطقة، والعجز والقصور السياسي والعسكري للنظام، والانقسامات الطائفية المضنية.
*أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية. 



إقرأ المزيد