جريدة الإتحاد - 2/8/2026 11:52:08 PM - GMT (+4 )
إذا كنتَ من منكري تغيّر المناخ في شرق الولايات المتحدة، فقد كانت الأسابيع القليلة الماضية بمثابة حلم. قد تقول، إن الجو بارد ومثلج حيث أعيش، بل أكثر برودة من أي وقت مضى. لذا، فإن تغير المناخ خدعة، كما أقول دائماً. هل كنتُ لأستطيع السيطرة على هذه الكرة الثلجية لولا ذلك؟ انتهى الأمر.
للأسف، لا تزال موجات الطقس الشتوي المتطرفة واردة الحدوث في ظلّ أجواء تزداد اضطراباً بفعل ارتفاع درجات الحرارة.
ويُجسّد هذا الواقع تزامن موجة حرّ صيفية قياسية تجتاح أستراليا مع موجة برد قارس تجتاح الولايات المتحدة. وتُعرّض هذه الظواهر الجوية المتطرفة حياة الناس للخطر وتُفاقم فقرهم، وهي تكاليف ستستمر في التزايد كلما أهدرنا الوقت في تجاهل المشكلة أو التمني بأن تكون الحلول الجزئية كافية.
ليس من قبيل المصادفة أن تتزايد الأضرار الناجمة عن تغير المناخ مع ارتفاع درجات الحرارة في هذا القرن. وتشير تقديرات «بلومبيرج إنتليجنس» إلى أن العالم أنفق 20 تريليون دولار خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية على تنظيف الممتلكات والتأمين عليها بعد الكوارث. ويشمل ذلك 1.4 تريليون دولار العام الماضي، وهو انخفاض نادر ومُريح مقارنةً بالرقم القياسي المسجل عام 2024 والبالغ 1.6 تريليون دولار، ويعود الفضل في ذلك جزئياً إلى تجنب الولايات المتحدة وصول إعصار إليها لأول مرة منذ عقد.
لا تقتصر هذه التكاليف على الأعاصير والفيضانات وحرائق الغابات فحسب، بل تشمل أيضاً موجات الصقيع الشديدة والعواصف الشتوية. وكما هو متوقع، لا يبدو أن وتيرة الظاهرتين الأخيرتين قد ازدادت مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب، لكنهما لم تختفيا.
على مدى الأربعين عاماً الماضية، شهدت الولايات المتحدة بشكل شبه منتظم عاصفة شتوية أو موجتي صقيع أو كليهما سنوياً، وكانت هذه العواصف قوية بما يكفي لإحداث أضرار لا تقل عن مليار دولار، وفقاً لمنظمة «كلايمت سنترال» غير الربحية. في بعض الأحيان، تتسبب هذه الأحداث في خسائر فادحة في الأرواح وتكاليف مالية باهظة، كما حدث مع «عاصفة القرن» عام 1993 وعاصفة «أوري» الشتوية عام 2021. ولكن حتى الآن، لم يظهر أي اتجاه ثابت، سواء نحو الأفضل أو الأسوأ.
صحيح أن العاصفة الشتوية التي ضربت الولايات المتحدة هذا الشتاء كانت مدمرة بشكل غير مسبوق، بعد فترة وجيزة من إعصار «أوري» الذي حطم الأرقام القياسية بخسائر بلغت 28 مليار دولار. ووفقاً لتقديرات شركة «أكيوويذر»، المتخصصة في التنبؤات الجوية، تسببت عاصفة «فيرن» الشتوية، التي أثرت على أكثر من نصف سكان البلاد، وأدت في مرحلة ما إلى انقطاع التيار الكهربائي عن حوالي مليون شخص، بخسائر اقتصادية إجمالية تتراوح بين 105 و115 مليار دولار. وهذا يجعلها الكارثة الطبيعية الأكثر تكلفة في البلاد منذ حرائق كاليفورنيا قبل عام. كما تسببت عاصفة لاحقة وموجة صقيع شديدة، أغرقت جنوب شرق البلاد بالثلوج وجمدت أشجار الحمضيات في فلوريدا، بخسائر إضافية تتراوح بين 13 و15 مليار دولار، بحسب «أكيوويذر».
كل هذا شكّل دفعةً قويةً أخرى للشركات المدرجة في مؤشر «الاستعداد والإصلاح» التابع لبلومبيرج إنتليجنس، والذي تفوّق على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» هذا العام، وفي كل عام على مدى السنوات الخمس الماضية. فقد ارتفع عدد المتسوقين في متاجر تحسين المنازل في 23 يناير، قبيل إعصار فيرن، بنسبة 41% مقارنةً بالعام السابق، وفقاً لمحلل بلومبيرج إنتليجنس، أندرو جون ستيفنسون. وقد ساعد ذلك الشركات الرائدة في قطاع «الاستعداد والإصلاح»، مثل هوم ديبوت، على تعويض موسم الأعاصير البطيء.
بالطبع، لا يُعدّ شراء الخشب الرقائقي وأكياس الرمل وآلات إزالة الثلج بشكل متكرر، وتخزين مكونات خبز التوست الفرنسي بشكل محموم، كما يفعل الناس قبل كل عاصفة، طريقةً لإدارة اقتصاد منتج. فما لم يكن عملك هو الكوارث، فإن الكوارث عموماً تضرّ بالأعمال.
ومن بين الجوانب الإيجابية المحتملة:
أصبح الطقس البارد أقل تواتراً في العقود الأخيرة، لا سيما في الولايات المتحدة وغيرها من المناطق الشمالية نسبياً. فقد كتب «زيك هاوسفاذر»، عالم المناخ في مجموعة «بيركلي إيرث» البحثية غير الربحية، في نشرة «كلايمت برينك» الإخبارية، أن أبرد أيام السنة في معظم أنحاء العالم أصبحت أكثر دفئاً بشكل ملحوظ مما كانت عليه قبل 50 عاماً.
فعلى مستوى الولايات المتحدة، انخفض متوسط عدد الأيام التي تقل فيها درجات الحرارة عن الصفر بمقدار 13 يوماً سنوياً مقارنةً بعام 1970.هناك نظرية تقول، إن ارتفاع درجة حرارة الكوكب قد يزيد من احتمالية حدوث موجات برد شتوية مفاجئة. فمن جهة، نظراً لأن القطب الشمالي يسخن بوتيرة أسرع من وسط الكوكب، فإن الفارق في درجات الحرارة بينهما، والذي يساعد في السيطرة على التيار النفاث القطبي، آخذ في التضاؤل. فعندما يتذبذب التيار النفاث، يسمح للهواء القطبي باختراق خطوط العرض الأدنى. كما يتباطأ التيار النفاث في مثل هذه الظروف، مما يعني أنه لا يعود إلى وضعه الطبيعي بسرعة.
لكن علماء المناخ لم يتمكنوا بعد من إثبات ذلك بشكل قاطع. ما تُظهره البيانات هو أن المدن الأميركية سجلت أربعة أضعاف عدد درجات الحرارة اليومية المرتفعة القياسية هذا الشتاء مقارنةً بالمنخفضة، وفقاً لمركز المناخ. كما أن الغطاء الثلجي في غرب الولايات المتحدة في أدنى مستوياته على الإطلاق، حتى بعد عاصفة يناير الثلجية. هذا يعني منحدرات تزلج جرداء ونقصاً في المياه لنهر كولورادو المُرهَق أصلاً في وقت لاحق من هذا العام.
خلاصة القول، إنه حتى الآن، لم يجعل الكوكب الأكثر حرارة العواصف الشتوية أمراً من الماضي، بل زاد من تواتر الكوارث الطبيعية الأخرى، أو على الأقل من خطورتها. قد تنخفض الوفيات الناجمة عن البرد مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب، لكنها لن تختفي، بينما تزداد الوفيات الناجمة عن الحر. وبغض النظر عن حالة الطقس، ينبغي علينا السعي لمنع تفاقم اضطراب المناخ، مع تحسين استعداد المجتمعات لمواجهة الفوضى المتوقعة. إن منكري تغير المناخ الذين يضعون السياسات في الولايات المتحدة لا يفعلون أياً من ذلك. فالثلوج تذوب، والضرر الناتج عن هذا الإهمال سيبقى طويلاً.
*كاتب متخصص في شؤون تغير المناخ.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


