«وول ستريت» والذكاء الاصطناعي.. ذعر غير مبرر
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 شهدت أسواق الأسهم استقراراً خلال الشهرين الأولين من العام، وذلك عقب ضعف النمو الاقتصادي في الأشهر الأخيرة من عام 2025. لكن في الأسابيع القليلة الماضية، كان الخوف هو السمة الغالبة في عالم المال. وهذا ليس بالأمر الغريب، فـ «وول ستريت» غالباً ما تتأرجح بين الأمل والخوف، والنشوة واليأس. الجديد هو مصدر هذا الخوف.
أصبح الذكاء الاصطناعي حديث الساعة في السوق، ومحوراً لا مفر منه للنقاش حول مستقبل الاقتصاد، والشركات، والوظائف والأجور. يُشبه الذكاء الاصطناعي اليوم الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي: رمزٌ لكل حلم تقني وسيناريو كارثي. تُبرز الشركات الناشئة الساعية لجمع التمويل كيف سيُغير الذكاء الاصطناعي صناعتها ويُزعزع استقرار الشركات القائمة. وتُعلن الشركات المساهمة العامة عن استثماراتها في الذكاء الاصطناعي بهدف تحقيق ميزة تنافسية، أو تؤكد بثقة أن هذه التقنية لا تهدد نموذج أعمالها. أما المستثمرون فيراقبون كل ذلك بقلق متصاعد.
وكان تقرير صادر عن شركة «سيتريني» للأبحاث، التي تُصدر نشرة إخبارية شهيرة على منصة «سابستاك»، بمثابة صدىً قوي لحالة الخوف السائدة. تصوّر «سيناريو» الشركة قطاعات متعددة على حافة الانهيار التام بفعل «الذكاء الاصطناعي»، ما سيؤدي إلى انكماش اقتصادي بحلول عام 2028، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل أيضاً في دول مثل الهند، حيث يُمكن استبدال قطاع خدمات التصدير فيها بالكامل. ومع تسريح الشركات للعمال، وإفلاس شركات البرمجيات، واستبدال كل شيء، بدءاً من تطبيقات التوصيل وصولاً إلى قطاع الرهن العقاري، بأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تؤدي العمل نفسه بتكلفة شبه معدومة، تصوّرت شركة سيتريني مستقبلاً يتسم ببطالة تصل إلى 10%، وانخفاض حاد في إيرادات الحكومات، وتراجع سوق الأسهم بنسبة 40%، من دون أي أمل في نهاية هذا الوضع.
جاء هذا التقرير، الصادر عن شركة غير معروفة نسبياً، عقب مقالٍ أكثر شهرةً بقلم «داريو أمودي»، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» للذكاء الاصطناعي، وهي إحدى الشركات الرائدة في هذا المجال إلى جانب شركات أوبن إيه آي، وألفابت، وإكس، وميتا. كان «أمودي» أكثر اتزاناً ودقة في دراسة تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الحروب والأسلحة، ومستقبل العمل، ومستقبل الحكومات، ومستقبل المجتمع الحر، فضلاً عن نتائج لا يمكننا تخيلها بالكامل. لكن نبرته لم تكن أقل إلحاحاً، ولم تكن أقل يقيناً بأن معظمنا يقلل من شأن المخاطر.
مع ظهور هذه التوقعات، شنّ المتداولون موجة بيع هائلة لم تقتصر على شركات التكنولوجيا العملاقة فحسب، بل شملت أيضاً شركات استهلاكية. وتشهد الأسهم تقلبات مستمرة. لكن مستوى التخوف في الأوساط المالية والتجارية بلغ ذروته، وتعكس هذه التقلبات السوقية محاولة يائسة، وربما عبثية، من جانب المستثمرين للتنبؤ بالمستقبل. تكمن المشكلة في استحالة القيام بذلك بثقة تامة مع ثورة تكنولوجية حديثة ومعقدة كالذكاء الاصطناعي.
من اللافت للنظر أن بعضاً من أشد التحذيرات تأتي من أشخاص منغمسين في هذه التكنولوجيا ويعملون على بناء نماذجها. مع ذلك، فإن هذه المخاوف تتراكم منذ فترة، ولم تؤثر بشكل ملحوظ على الأسواق إلا في الأسابيع القليلة الماضية.
وكثيراً ما يكون الأشخاص الأقرب إلى التكنولوجيا الجديدة هم الأكثر توجساً من مخاطرها. لنأخذ على سبيل المثال علماء الذرة مثل روبرت أوبنهايمر خلال عملية صنع القنبلة الذرية، أو أولئك المكلفين بمكافحة الإرهاب بعد صدمة أحداث 11 سبتمبر، أو الذين كُلِّفوا بالتنبؤ بملامح أزمة وبائية في عام 2020.
وكما يُقال، مجرد شعورك بالخوف لا يعني بالضرورة أن هناك من يتربص بك. ولكن مجرد كون شيء ما ممكنا لا يعني بالضرورة أنه مُرجَّح. وقد يصبح هذا الخط الفاصل غير واضح لمن هم في قلب الحدث.
لا يُقصد بأي مما سبق أن يكون نصيحة استثمارية. لا شك أن نماذج أعمال بعض الشركات ستتأثر سلباً بشكل كبير بالذكاء الاصطناعي. هذا ما ينطبق على كل تقنية ناشئة منذ قرون. ربما تكون الشركات التي تتأثر مؤشرات تحذيرية، أو ربما تكون حالات استثنائية، أو ربما ستتكيف وتزدهر. لا أحد يعلم، حتى أولئك الذين يدّعون المعرفة.
لكن أعتقد أننا نستطيع أن نقول هذا بثقة: نادراً ما يُثمر الذعر نتائج إيجابية، والمتشائمون غالباً ما يكونون مخطئين. قد يتردد بعضنا، بحكم طبيعته، في استخدام كلمة «غالباً». لكن في الحقيقة، مع أن سيناريوهات الكوارث قد تجذب المشاهدات، فما جدواها؟ إذا كان الذكاء الاصطناعي سيسيطر على كل شيء، فربما فات الأوان لفعل الكثير حيال ذلك. أما إذا لم يكن كذلك، فالذعر مجرد تشتيت انتباه قد يُسبب أضراراً لا داعي لها.

زكاري كارابيل*
 كاتب  عمود «المتفائل المتحمس» على منصة Substack.
 ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
 



إقرأ المزيد