في مديح الصبر
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

شبّه الأقدمون الصَّبر بالصِّبر، لما يلحق الصابرَ من مرارة الأذى مثيل ما يلحق آكل الصِّبر من مرارة ذوق، وقد سمح هذا التّشبيه الحسّي من التّنبيه على أنّ المرارتين معاً تجدان أساسهما في الفطرة الإنسانية، فتشعر بضرب من حزَن عندما يلحق بها ما لا تطيق له ذوقاً من أثر مادي أو معنوي، فالأثر مهما اختلف فإن المصير يكون أذى يلحق النفس. لم يعدم الصبر من منتصرين له في تاريخ المعرفة العملية الإنسانية، أقصد بالمعرفة العملية مجال الأخلاق بالخصوص، فها هنا نجد شُداةَ الفكر وأرباب الحكمة والذّوق يدعون للتسلّح به في مسيرة الحياة الإنسانية باعتباره أسَّ التوازن وملاك السكينة في عالم تضطرب به أمواج المصالح، وتتداعى أركانه تحت الرياح الهوجاء. فلا سند للمرء في أوقاته العصيبة سوى دوحة الصّبر يلوذ بها، ويستظل بظلالها، ويقطف من ثمارها ما يتبلّغ به، وإن شاب بعضها مرارة قادحة.

ووراء هذه الدّعوة إلى الصبر فلسفةٌ عميقةٌ شاملةٌ تتعلق بحياة الإنسان بأسرها وليس فقط بظروف خاصة تلمُّ بها وتداهمه، وإن كان عموم الناس لا يعرفون الصّبر إلا عند الملمات والدّواهي. تجلَّى الصبر عند الفلاسفة في فلسفتهم العملية، إذ لما كان الفلاسفة القدماء قد أعلوا من شأن المعرفة النّظرية، ولم يجدوا لذّةً تضاهيها حبَسُوا عقولهم عندها ولم يلتفتوا إلى غيرها فصبروا على العزلة والتّقليل من العوارض الجسمانية طلباً للذة الاكتشاف الفلسفي أو الاختراع الفنّي، وقد حُكيَ عن طاليس طرائف في هذا المقام تبرز كيف أنه زهد في الغنى والْتحَف القناعة حتى يتفرّغ لانشغالاته النّظرية الطبيعية والفلكية، رغم تعرضه للسخرية من بني قومه. وعندما دعا أفلاطون إلى الجدل الصّاعد، طلباً لارتقاء النفس إلى عالم الموجودات الحقيقية خروجاً من الكهف الذي تختال فيه الظِّلالُ والأشباح مُوهِمَة أنّها الموجودات الحقيقة وقد وقع العوامّ في أسرها وشغفها، فإنه كان يتسلّح بالصبر لأن عملية التطهير التي أسّس عليها جدله الصّاعد تتطلّب من النفس كمالات ومن البدن تضحيات، وليس من سبيل إلى إنفاذ ذلك سوى التسلح بالصّبر.

ولسقراط مواقف طريفة في تحمّل الشدّائد والصعاب بصبر وتجلّد سواء وهو يكابد مناقشة المُدّعين للمعرفة بحواره التّوليدي المضمّخ بالسّخرية اللّاذعة، أو هو يكابد أوْصَاب مُحاكمة جائرة أوْدَت بحتفه. وقد تفنّنت الفلسفةُ الرواقية في تلوين معاني الصبر والتجلّد عندما دعت إلى العيش وفق الطبيعة، إن الصبر، وضبط النفس في مواجهة الاستفزاز، هو حجر الزاوية في الفلسفة الرواقية. إن الحكيم الرواقي هو الذي يصبر على أحداث الزمان، ويرضى بما يجري عليه ولا حياة له فيه من العطاء أو الحرمان.

وقد قدّم أفلوطين بعده نموذجاً مثالياً في الصبر الفلسفي عندما أقام فلسفته الفيضية على أساس «خلع البدن». لم يقف مديح الصبر عند الفلاسفة باعتباره فضيلة عملية توصل إلى المطلوب، فقد حثّت الأديان على التسلح بهذه الفضيلة العملية للتغلّب على صروف الأزمان وتقلباتها، فدعت المسيحية إلى عدم رد الأذى الذي يصيب المرء، وحضّت على التحمّل، حيت اشتهر عن المسيح عليه السلام قوله «مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أيضاً».

ورفع دين السماحة والرّحمة من قيمة الصبر إلى الحدّ الذي جعل له جزاء يليق به، فالصابرون إنما يوفّون أجورهم بغير حساب لما كابدوه من مرارة ولأَْواء وشدّة طلباً لعاقبة أفضل، ومستقبل أجمل، أو هروباً من مواجهة لا خير فيها، أو حفظاً لود لا يُثْلم، ومحبَّة لا تُضام، وصداقة لا تنْفصم.

*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.
  



إقرأ المزيد