منصة وطنية للغذاء والاستدامة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في لحظة تتقاطع فيها تحديات المناخ مع نُدرة الموارد الطبيعية، وتتسارع فيها التحولات الجيوسياسية المؤثرة في سلاسل الإمداد الغذائي، تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة بخطى واثقة نحو ترسيخ نموذجها الخاص في إدارة ملف الأمن الغذائي. ويأتي انعقاد الدورة الثانية من «المؤتمر والمعرض الزراعي الإماراتي» في 22 أبريل 2026 في مركز أدنيك بمدينة العين، برعاية سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، والتي تمتد حتى 26 أبريل، ليؤكد أن الزراعة في الإمارات لم تعد نشاطاً تقليدياً، بل أصبحت خياراً استراتيجياً متكاملاً.وتنظم وزارة التغير المناخي والبيئة هذا الحدث تحت شعار «منصة إماراتية زراعية شاملة... نحو استدامة مجتمعية وابتكار عالمي»، وهو شعار يعكس تحولاً عملياً في فهم الزراعة بوصفها منظومة قيمة تبدأ من المزرعة ولا تنتهي عند المستهلك. فالدورة الجديدة توسّع نطاق التركيز ليشمل تمكين المزارعين ومربي الثروة الحيوانية، وتعزيز الصناعات الغذائية الوطنية، وفتح المجال أمام الشركات الناشئة ورواد الأعمال لقيادة موجة الابتكار الزراعي المقبلة.
ويحمل اختيار مدينة العين لاستضافة المؤتمر دلالة عميقة: فالمدينة التي تضم آلاف المزارع وتاريخاً زراعياً متجذراً، تتحول مجدداً إلى منصة وطنية للحوار حول مستقبل الغذاء. في دورته الأولى عام 2025، أثبت المؤتمر قدرته على جمع أكثر من 100 مزارع مواطن، وعشرات الشركات، وممثلين عن الجامعات والجهات الحكومية، في مكان واحد لصياغة رؤية مشتركة. واليوم، تأتي الدورة الثانية للبناء على تلك المكتسبات، مع توسع نوعي في المسارات والفعاليات.
واللافت في النسخة الجديدة هو اعتماد 5 مسارات استراتيجية تغطي مختلف أبعاد القطاع: مسار المزارعين لتمكين المنتج المحلي وفتح قنوات تسويق مباشرة، ومسار تعليمي يربط الطلبة والباحثين بالتطبيقات العملية، ومسار مجتمعي يعزز ثقافة الاستهلاك المسؤول، ومسار لرواد الأعمال يفتح أبواب الاستثمار والشراكات، ومسار دولي للحوار وتبادل الخبرات. هذا التصميم يعكس قناعة بأن الأمن الغذائي مسؤولية تشاركية لا تُختزل في جهة واحدة.
ومن أبرز ما يميز المؤتمر حضوره المعرفي، فجلسات الدورة السابقة سلطت الضوء على دور الذكاء الاصطناعي، وتقنيات الاستشعار عن بُعد، والروبوتات الزراعية، والاستزراع السمكي، وإدارة مخلفات المزارع في إطار الاقتصاد الدائري. كما طُرحت مبادرات نوعية مثل «تحدي المياه من أجل الزراعة» الذي أطلقته مبادرة محمد بن زايد للماء بالتعاون مع شركاء وطنيين، لتطوير حلول تقلل استهلاك المياه مع الحفاظ على إنتاجية المحاصيل، في ظل حقيقة أن الزراعة تستهلك النسبة الأكبر من المياه العذبة. ويعكس هذا الربط بين البحث العلمي والتطبيق الميداني توجهاً واضحاً نحو تحويل الجامعات ومراكز البحث إلى شريك مباشر في تطوير الحلول الزراعية، بدلاً من الاكتفاء بالدراسات النظرية. 
ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي للمؤتمر. فتمويل المشاريع الزراعية الناشئة، ودعم الابتكار عبر صناديق وطنية، والاحتفاء بالفائزين بجائزة الشيخ منصور بن زايد للتميز الزراعي، كلها رسائل بأن القطاع الزراعي لم يعد هامشياً في معادلة الاقتصاد الوطني. بل هو مجال استثماري واعد، قادر على خلق فرص عمل، وتعزيز الناتج المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات.
وفي السياق ذاته، يبرز اهتمام دولة الإمارات بقضية الفاقد والهدر الغذائي، انسجاماً مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051 وأهداف التنمية المستدامة. فالتركيز على تقليل الهدر بنسبة 50% بحلول 2030 ليس مجرد التزام دولي، بل هو جزء من رؤية أشمل لإدارة الموارد بكفاءة، وتحويل التحديات إلى فرص عبر الابتكار والتوعية المجتمعية.
إن ما يميز «المؤتمر والمعرض الزراعي الإماراتي 2026» أنه يقدّم الزراعة بوصفها قطاعاً إنتاجياً، ومنصة لبناء ثقافة وطنية حول الغذاء والاستدامة. ولا شك أن إشراك المرأة، وتمكين الشباب، وإطلاق مبادرات مثل مجلس شباب الإمارات للزراعة في الدورة الأولى، كلها مؤشرات على أن الإمارات تراهن على الإنسان كعامل حاسم في المعادلة. والمؤتمر في نسخته الثانية ليس حدثاً موسمياً، بل محطة استراتيجية ضمن مسار طويل نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي النسبي، وتنويع مصادر الغذاء، وترسيخ مكانة الإمارات كمركز عالمي للابتكار الزراعي. 

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 

 



إقرأ المزيد