متى تكون الحرب شراً لا بد منه؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ما نعيشه في الشرق الأوسط يجعلنا نتساءل حول شرعية الحروب الاستباقية وحول التغيرات القانونية الحديثة لمواجهة الدول التي لا تحترم التشريعات الدولية، وتنتهك المواثيق العالمية، وتحرم مواطنيها من حقهم الطبيعي في العيش بكرامة وحرية ومساواة، والتمتع بالحقوق الإنسانية، وتنشر الفساد في الأرض، وتهدد بفظاظة الدولة المجاورة والعالم المتحضر.
بعد الحربين العالميتين، اتفق النظام الدولي على حظر استخدام القوة في العلاقات بين الدول، إلا بتوفر استثناءين فقط. أولاً الدفاع عن النفس عند وقوع اعتداء أو هجوم مسلح وفق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، وثانياً التفويض الصريح من مجلس الأمن تحت الفصل السابع. مَثّل هذان الاستثناءان القاعدة الذهبية لشرعية اللجوء إلى القوة. ففي حالة الدفاع عن النفس يجيز الميثاق الردّ عندما يكون «ضرورياً» بشرط أن يكون «متناسباً»، مع التزام الدولة المُدافِعة بإبلاغ المجلس فوراً بالإجراءات المتخذة. كان هدف هذا الضبط الإجرائي والمضموني منع الانفلات وتكريس أولوية الأمن الجماعي واللجوء للشرعية الدولية. كذلك في حالة سماح المجلس بتفويض إحدى الدول، عند وجود «تهديد للسلم أو إخلال به أو عمل عدواني»، بشرط استنفاد «جميع الوسائل اللازمة» لاستعادة السلم، كما حدث في قرار تحرير الكويت عام 1991 رقم 678.
غير أن الوضع العالمي الحالي قد أظهر، لا سيما بعد التسعينيات، أطروحات «التدخل الإنساني»، والذي تطور إلى مسؤولية الحماية (R2P) التي تبنّاها قادة العالم في قمة 2005. فإن للدولة مسؤولية أولى في حماية سكانها من الإبادة وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية، وإذا فشلت «بوعيٍ واضح»، أو «بتقصير جسيم»، يمكن للمجتمع الدولي أن يتخذ إجراءات حاسمة في الوقت المناسب عبر مجلس الأمن. المبدأ هنا ليس «ترخيصاً مفتوحاً»، بل تفويضاً جماعياً مقيداً بعد استنفاد كافة الوسائل السلمية.
فعندما فشل المجتمع الدولي في منع المجازر التي أودت بحياة مئات الآلاف في رواندا 1994، أدى ذلك إلى تبني مبدأ أن الامتناع عن مواجهة فظائع جماعية قد يكون ثمنه إنسانياً وأخلاقياً أفدح من تبعات التحرك المنضبط قانوناً. لذا تم اللجوء في كوسوفو 1999 إلى التدخّلٌ من دون تفويضٍ صريح من مجلس الأمن، وقد بررت دول «الناتو» هذا التدخل باعتبارات إنسانية. هذا الوضع الجديد أشعل جدلاً قانونياً واسعاً حول شرعية التدخل ودلالاته ونتائجه. 
هنا يطرح السؤال نفسه: هل من حق الدول إعلان الحرب لحماية مواطنيها؟ أو لصد خطر حادق؟ أو لمنع تهديد وجودي؟ 
القاعدة العامة أنه من حق كل دولة، بل ومن واجبها، أن تدافع عن سيادتها وتحمي سكانها إذا تعرّضت لـ«هجوم مسلح»، أو إلى «تهديد وجودي»، بشرط نفاد كافة الوسائل السلمية، وتوفر الضرورة، والتناسب في استخدام القوة، وإخطار مجلس الأمن. 
إن ما يحدث الآن في منطقة الشرق الأوسط، وأمام هذا الوضع العالمي والقانوني المعقد، يُظهر الحاجة الملحة إلى تحليل الأمور بطريقة براجماتية والتعلم من الدروس والتجارب التاريخية الماثلة أمام أعيننا. 
أول هذه الدروس هو أن القانون الدولي ليس نصاً نظامياً نهائياً بل هو إطار عام مرتبط بموازين القوى والتقدم والنفوذ والعلم. وأن الشعبوية التعبوية والعنجهيات الفارغة لا تصنع أمناً ولا استدامة. وأن الاستعراضات العسكرية والإنفاق الجنوني على أسلحة تقليدية لا يمنح جاهزية ولا يوفر توازناً عسكرياً. وأن السلام ليس «سذاجة»، بل هندسةٌ مؤسساتية وثمرة لترتيبات أمنية داخلية وإقليمية وعالمية. وأن الانتصار يحالف فقط من يقوم باستثمار حقيقي في العنصر الإنساني والتكنولوجي ويتبنى العلم والتقدم التكنولوجي منهجاً واختياراً. وأن السعي للسلام لا يعني نسيان المخاطر، بل تحويلها إلى معادلات ردعٍ مُدارة وتخطيط استراتيجي بعيد المدى. وأن القوة العسكرية وحدها غير كافية لمنع العدوان، إن لم تكن مرتبطة بعمل تحالفات حقيقية وتجنّب العزلة. 
إن التاريخ يُظهر أن الردع الحقيقي لا يُقاس بالعروض والاصطفافات، بل بالمصداقية التشغيلية، والاستقلالية الصناعية، والجاهزية اللوجستية، والتكامل بين القدرات التقليدية والرقمية، والقدرة على تعبئة المجتمع والاقتصاد وقت الأزمات. القوة لا تكمن في أعداد الآليات العسكرية وإنما في العلم والجاهزية والابتكار والتحكم في العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي. إن التفوق التكنولوجي (أنظمة دونية، حرب إلكترونية، ذكاء اصطناعي) هو وحده ما يحسم الفجوات ويوفر النتائج ويضمن الانتصار، لا الاستعراض والشعارات الصبيانية. 
 ما نعيشه منذ عقود في الشرق الأوسط يعلمنا بوضوح أن الحرب تصبح شراً لابد منه فقط عندما تكون المواجهة مع عدو قد أسكره وهِم القوة المزيفة، وأعمته الاعتقادات الدينية والأيديولوجية والأساطير التي عفا عليها الزمن فجعلته لا يرى حقيقة وضعه المزري وتخلفه. عدو مخدوع بتحالفات وهمية، ومحمي بأسلحة ورقية، ومخترق بسوس الخيانة والعمالة، ومحاط بتعويذات خرافية وبخيالات فارغة. 
السلام ممكن حين يكون مقروناً بتبني العلم والالتحاق بركب التقدم وبناء الدول على قوة القانون لا على وهم القوة. السلام ممكناً عندما يكون ثمرة لتبني الديموقراطية الحقيقية، واحترام ما توصل له العالم المتحضر من قوانين تحمي حقوق الإنسان، وحرية الأفراد، وحرية الكلمة والاعتقاد وفصل السلطات. 
إن العالم تعلم أن الصمت أمام التطرف والديكتاتورية وانتهاك حقوق الإنسان لا ينتج سوى مزيد من التطرف والكراهية والإرهاب.
لم يعد السؤال الحقيقي حول شرعية الهجوم الاستباقي ولكن حول شرعية النُظم الاستبدادية والمستبدة التي تتخذ من القانون الدولي ساتراً لها لنشر أيديولوجياتها المتطرفة وتهديد بقية الدول الآمنة، لأن السلام الحقيقي لا يقوم على تغافل التهديدات بل إدارتها بآليات الردع والإنذار المبكر والحوكمة التقنية والتفوق العلمي. السلام الحقيقي لا يقوم على الاستعراضات الفارغة وإنما على سد الفجوات الحضارية، وتبني البحث والابتكار والجاهزية. إن سباق الحاضر يُحسم في المختبرات والمصانع ومراكز البيانات بقدر ما هو في الميدان. 



إقرأ المزيد