الداخل الأميركي وإشكاليات الحرب على إيران
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 يشهد الداخل الأميركي توجهات عدة تجاه الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران واحتمالات انفتاح المشهد الراهن على سيناريوهات عدة، خاصة مع تباين الموقف داخل الكونجرس، بصرف النظر عن التأييد الراهن لقرار الرئيس الأميركي، حيث صرّح ترامب بأن الولايات المتحدة تمتلك مخزون ذخيرة واسع المدى، مما قد يسمح لها بالقتال إلى ما لا نهاية إذا لزم الأمر.
ويعكس التصعيد الراهن احتمالات اتساع رقعة الصراع لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى، سواء عبر جبهات غير مباشرة أو عبر تهديدات متبادلة في مضايق وممرات استراتيجية للطاقة، فيما أن أي اضطراب في هذه المسارات قد ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة العالمية، بما يضيف بعداً اقتصادياً للصراع، ويحوّل المواجهة من أزمة أمنية إلى أزمة جيوسياسية– اقتصادية مركبة.
 ويسهم الانخراط الأميركي المباشر في إعادة ترتيب الاصطفافات الدولية، إذ يدفع بعض القوى إلى تبني مواقف أكثر نقداً، بينما يعزّز تعاون قوى أخرى مع واشنطن بدافع اعتبارات أمنية، ومثل هذا التباين قد يفاقم الاستقطاب في النظام الدولي ويؤثر على مسارات التفاوض في ملفات إقليمية متعددة، كما تعكس هذه التطورات مستوى تنسيق مرتفعاً بين واشنطن وتل أبيب، بما يعزّز من تماسك التحالف الاستراتيجي بين الطرفين، إلا أن الانخراط المباشر يرفع كُلفة الشراكة سياسياً وعسكرياً على الولايات المتحدة، ويجعلها طرفاً أساسياً في الصراع.وداخل الولايات المتحدة أبدت شريحة مؤثرة داخل حركة «ماجا» اعتراضها على الهجوم، معتبرة أن الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران يمثّل تناقضاً مع التعهدات السابقة بعدم الزج بالولايات المتحدة في نزاعات طويلة الأمد في الشرق الأوسط، ورأت هذه الأصوات أن الخطوة قد تفتح الباب أمام تصعيد إقليمي واسع، بما يترتب عليه أعباء عسكرية واقتصادية على الداخل الأميركي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد تحديات تضخمية وضغوطاً سياسية متزايدة قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في المقابل، دعّمت فئة أخرى داخل حركة ماجا القرار العسكري، واعتبرته تحركاً حاسماً في مواجهة ما تصفه بتهديدات إيرانية مستمرة للأمن القومي الأميركي.
وأحدثت كل هذه التطورات حالة من الجدل الداخلي حول تعريف «أميركا أولاً» وبرزت تساؤلات حول قدرة الحركة على الحفاظ على تماسكها الأيديولوجي في ظل قرارات استراتيجية كبرى، تتطلب موازنة دقيقة بين الاعتبارات الأمنية والمواقف الشعبوية المناهضة للحروب.‌ كما عكس الانقسام تحولات أوسع في المشهد «الجمهوري»، حيث أبدت بعض القيادات أكثر ميلاً إلى الواقعية السياسية والبراغماتية في قضايا الأمن القومي، بينما تمسّكت قواعد شعبوية بخطاب أكثر تشدداً ضد أي تدخل خارجي، الأمر الذي سيلقي بتبعاته بأن هذا الجدل بما قد يؤثر في درجة تعبئة القاعدة الانتخابية للحركة، خصوصاً إذا ما تطورت المواجهة مع إيران إلى صراع ممتد أو ترتبت عليها تداعيات اقتصادية داخلية، كما أن الانقسام الراهن داخل التيار المحافظ يمثل تحدياً لتماسكه السياسي أكثر من كونه مجرد اختلاف تكتيكي حول قرار عسكري. فإذا فُهم شعار أميركا باعتباره انسحاباً من الصراعات الخارجية، فإن الضربة تمثل انحرافاً عن المسار، أما إذا فُسر باعتباره حماية استباقية للمصالح الأميركية ولو عبر استخدام القوة، فإن القرار يصبح امتداداً منطقياً لفلسفة الردع. فالتراخي أمام خصوم إقليميين قد يُفسَّر كضعف، بينما يُنظر إلى الحسم العسكري باعتباره أداة لإعادة ترسيخ الردع، غير أن هذا المنطق يحمل مخاطر التصعيد غير المحسوب. 
يسود إذا اتجاه أكثر تحفظاً وانتقاداً في صفوف الحزب «الديمقراطي» لفكرة الضربة العسكرية الوقائية، فقد شددت قيادات «ديمقراطية» في مجلس الشيوخ ومجلس النواب على ضرورة عرض الإدارة تقييماً استخباراتياً واضحاً ومفصلاً يبرر أي تحرك عسكري.
 ويرى عدد من النواب «الديمقراطيين» أن أي استخدام للقوة دون تفويض صريح من الكونجرس قد يمثل تجاوزاً للإطار الدستوري، مستندين إلى قانون صلاحيات الحرب الذي يمنح السلطة التشريعية دوراً رقابياً أساسياً في قرارات الحرب، كما حذروا من أن التصعيد قد يؤدي إلى ردود فعل إيرانية عبر وكلاء إقليميين، بما يوسع نطاق المواجهة إلى ساحات متعددة.
 ويعكس الخلاف الحزبي على مستوى التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية صراعاً حول من يحدّد عتبة الحرب، إذا مضت الإدارة في تحرك عسكري واسع دون تفويض واضح من الكونجرس، فإن ذلك قد يفاقم الاستقطاب الداخلي ويقوض الإجماع الوطني الضروري لإدارة صراع طويل، وفي المقابل، فإن اشتراط تفويض مسبق في كل السيناريوهات قد يحد من مرونة الردع السريع، وتضع هذه المعضلة النظام السياسي الأميركي أمام اختبار دقيق: كيف يوازن بين السرعة والشرعية، وبين الحسم العسكري والرقابة الدستورية.
يمكن التأكيد إذا على الانقسام الحالي يمثّل عاملاً مؤثراً في الحسابات الانتخابية، وأي تصدع في التماسك السياسي والمجتمعي قد يؤدي إلى تراجع الحشد السياسي، أو إلى بروز تيارات فرعية أكثر تشدداً في رفض التدخلات الأميركية الخارجية.
 وفي المقابل، قد يعزّز الموقف الحازم صورة القيادة لدى شريحة ترى في استخدام القوة دليلاً على الحسم. كما يعكس التحرك الأميركي محاولة لإعادة ترميم صورة الردع بعد سنوات من الاشتباكات غير المباشرة في المنطقة، إلا أن غياب تفويض صريح من مجلس الأمن يضعف الغطاء القانوني الدولي، ويمنح خصوم واشنطن مساحة دبلوماسية للطعن في شرعية العمليات، فإذا نجحت الولايات المتحدة في فرض كلفة عسكرية مرتفعة دون توسع المواجهة، فقد تعزز موقعها التفاوضي، أما إذا اتسع نطاق الرد الإيراني عبر هجمات صاروخية أو سيبرانية، أو عبر حلفاء إقليميين، فقد يتحول الصراع إلى نزاع متعدد الجبهات يصعب احتواؤه زمنياً وسياسياً.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية. 

 



إقرأ المزيد