رؤية محمد بن زايد.. دولة بامتياز وجيش بامتياز يحمي مكتسباتها
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كان هناك وقتٌ لم يكن فيه الجميع يدرك معنى بناء القوة، ولا يفهم لماذا تُنفق الدول على جيوشها واستعدادها العسكري. كان البعض يردد ببرود: لماذا كل هذه الميزانيات؟ ومن سنحارب؟ وإذا وقعت حرب فستأتي القوى الكبرى للدفاع عنا. كان هذا التفكير ساذجاً في جوهره، لأنه يفترض أن أمن الدول يمكن أن يُستعار من الآخرين، وأن السيادة يمكن أن تُحمى بالاعتماد على الخارج.
لكن في الإمارات هناك من يرى المشهد بطريقة مختلفة تماماً. كان هناك قائد يقرأ المسرح قبل أن يُرفع الستار، ويستشرف طبيعة التحديات قبل أن تتشكل ملامحها، ذلك القائد هو صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي أدرك منذ وقت مبكر أن قوة الدولة الحديثة لا تُقاس فقط باقتصادها أو عمرانها، بل أيضاً بقدرتها على حماية نفسها وصون سيادتها.
لم يكن بناء القوات المسلحة الإماراتية مشروعاً عسكرياً تقليدياً، بل كان مشروعاً استراتيجياً متكاملاً ضمن رؤية شاملة لبناء دولة حديثة قوية. رؤية تقوم على أن الدولة المتقدمة تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين التنمية والاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا، وبين القوة العسكرية القادرة على حماية هذه المنجزات وصونها.
ولهذا لم يكن التركيز فقط على امتلاك السلاح، بل على بناء الإنسان العسكري القادر على تشغيله وإدارته بكفاءة عالية. جرى الاستثمار في التعليم العسكري المتقدم، وفي برامج التدريب النوعية، وفي الشراكات الدولية التي نقلت الخبرة والمعرفة، حتى أصبحت قواتنا المسلحة نموذجاً يُحتذى به في الاحتراف والانضباط والجاهزية. فالجندي الإماراتي لم يُبنَ ليكون مجرد مقاتل، بل ليكون صاحب معرفة وانضباط وقدرة على العمل ضمن أكثر البيئات العملياتية تعقيداً.
وقد أثبتت القوات المسلحة الإماراتية كفاءتها في مختلف الميادين والمهام التي شاركت فيها. فقد كان لها حضور مشرف في عمليات التحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن، وأسهمت في مكافحة التنظيمات الإرهابية التي هددت أمن المنطقة، وشاركت في العديد من مهام حفظ السلام الدولية، إضافة إلى دورها الإنساني في عمليات الإغاثة، وتقديم المساعدات في مناطق الكوارث والنزاعات حول العالم. وفي كل تلك المهام أثبت الجندي الإماراتي أنه نموذج للجندي المحترف القادر على أداء واجبه بكفاءة عالية وشجاعة وانضباط.
ولم تأتِ هذه السمعة الرفيعة من فراغ، فقد أشادت العديد من الدول والمؤسسات العسكرية العالمية بكفاءة القوات المسلحة الإماراتية واحترافيتها. فقد أكد مسؤولون عسكريون في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وعدد من الشركاء الدوليين الذين عملوا جنباً إلى جنب مع قواتنا أن الجيش الإماراتي أصبح أحد أكثر الجيوش احترافية وتطوراً في المنطقة؛ بفضل مستوى التدريب والانضباط والقدرة العملياتية التي يتمتع بها أفراده.
واليوم تثبت قواتنا المسلحة مرةً أخرى جاهزيتها وكفاءتها في مواجهة التحديات الأمنية المتغيرة، حيث أظهرت منظومات الدفاع الجوي قدرتها العالية على رصد الصواريخ والطائرات المسيّرة والتعامل معها بكفاءة في مواجهة الاعتداء الإيراني الغاشم الذي استهدف دول الخليج. لقد عكست هذه الجاهزية مستوى التقدم التقني والاحتراف العملياتي الذي وصلت إليه قواتنا المسلحة، وأكدت أن الاستثمار في بناء جيش قوي لم يكن خياراً عابراً، بل ضرورة استراتيجية لحماية الوطن وصون أمنه واستقراره.
إن القوة في المفهوم الإماراتي ليست أداة عدوان، بل ركيزة للاستقرار وضمانة للسلام. فالدول التي تمتلك القدرة على الدفاع عن نفسها تكون أكثر قدرة على حماية سيادتها والحفاظ على استقرارها، كما تكون أكثر قدرة على الإسهام في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي.
لقد أثبتت السنوات أن الرؤية التي تبناها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد كانت رؤية بعيدة المدى، قراءة دقيقة لمستقبل المنطقة والعالم. فبينما كان البعض يعتقد أن الأمن يمكن أن يُستورد من الخارج، كان سموه يؤمن بأن الأمن الحقيقي يُبنى بسواعد أبناء الوطن، وبمؤسسات قوية قادرة على حماية الدولة وإنجازاتها.
واليوم يقف الإماراتيون وهم ينظرون إلى قواتهم المسلحة بفخر واعتزاز. جيش حديث ومحترف يجمع بين التقنية المتقدمة والعنصر البشري المؤهل، جيش يحمي منجزات الدولة ويصون مكتسباتها، ويجسد روح الاتحاد التي قامت عليها الإمارات منذ تأسيسها.
لقد أثبتت التجربة أن الدول التي تبني قوتها بوعيٍ واستشرافٍ للمستقبل لا تحمي حاضرها فقط، بل تضمن لأجيالها القادمة الأمن والاستقرار. وهذه هي فلسفة الدولة الإماراتية التي أرساها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد: دولةٌ قوية في تنميتها، راسخة في مؤسساتها، وجيشٌ بامتياز يقف سداً منيعاً يحمي مكتسباتها ويصون سيادتها ويؤمّن مسيرتها نحو المستقبل.


*لواء ركن طيار متقاعد 



إقرأ المزيد