جريدة الإتحاد - 3/7/2026 11:43:14 PM - GMT (+4 )
إنّ تداعيات مهاجمة إيران، وما تنطوي عليه من مخاطرة بتصعيد الصراع في الشرق الأوسط، تُضاعف من حدة المخاطر الاقتصادية التي تواجه الاقتصاد الأميركي، وترفعها من مستوى «مرتفع جدا» إلى مستوى «شديد الخطورة». فهذه الضغوط الجديدة تتراكم فوق سلسلة من الضغوط الشديدة الأخرى التي يواجهها الاقتصاد الأميركي بالفعل، ما يجعل من غير المرجح أكثر أن يخرج من هذه المرحلة دون أضرار.
يتمثل الخطر المباشر في تراجع الأسواق المالية بشكلٍ قد يخرج عن السيطرة. في كثير من النواحي، كان هذا التراجع متوقعاً بالفعل، نظراً للتقييم المبالغ فيه للأسهم الأميركية، والعبء الذي أثقلت به التعريفات الجمركية التي فرضتها الإدارة الأميركية الاقتصاد، وتدهور التوقعات المالية، واستمرار معدل التضخم. والآن، دعونا نضيف احتمال ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطل التدفقات التجارية، والاضطرابات السياسية العالمية.
كانت أرقام التضخم الجديدة الصادرة الأسبوع الماضي مثيرة للقلق بالفعل. فقد ارتفع مؤشر أسعار المنتجين الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، بنسبة 0.8% في يناير، وهو أعلى بكثير من المتوقع. وتُستخدم مكوناته الرئيسية في المؤشر المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، وهو التضخم الأساسي لأسعار نفقات الاستهلاك الشخصي. وقد بلغ هذا التضخم 3% خلال العام المنتهي في ديسمبر، وهو لا يزال أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. وفي يوم الاثنين الماضي، قدم معهد إدارة التوريد مزيداً من الأدلة على ذلك، حيث ذكر أن أسعار مدخلات التصنيع ترتفع بأسرع وتيرة منذ عام 2022.
سيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة التضخم، مما يزيد من حدة هذا الوضع المقلق أصلاً. ارتفعت أسعار الطاقة مع بدء الهجمات على إيران، ويتوقع المحللون أن يتجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، بعد أن كان 65 دولاراً قبل الهجوم. وكما هو الحال دائماً، هناك سيناريو متفائل مطمئن: إذا سارت الأمور على ما يرام، فإن حملة سريعة يتبعها تشكيل حكومة جديدة في طهران قد تُزيل خطر نشوب صراع مستقبلي، وتُعزز الثقة في البنية التحتية العالمية للطاقة، مما قد يُخفض أسعار النفط إلى مستويات أقل مما كانت عليه سابقاً. ولكن إذا استمر الصراع واتسع نطاقه، وتعرضت البنية التحتية للطاقة لهجمات متواصلة، وأُغلق مضيق هرمز، فإن سعر 100 دولار للبرميل قد يكون متفائلاً للغاية.
تُذكّرنا هذه الأحداث بفترة السبعينيات: فارتفاع أسعار النفط بشكلٍ مستمر سيؤدي إلى ما يُعرف بـ «الركود التضخمي» - أي تضخم أعلى مصحوباً بنمو أبطأ، وهو مزيج يعجز الاحتياطي الفيدرالي عن مواجهته. صحيح أن الولايات المتحدة تُصدّر النفط حالياً، لذا ستكون الخسائر في النمو المحلي أقل هذه المرة. لكن الصدمة ستظل عالمية، وسيظل تأثيرها الصافي على الولايات المتحدة ركوداً تضخمياً، وسيُفاقم الضغوط التضخمية القائمة.
تُسلّط هذه السيناريوهات الضوء على آلية الدعم المالي. ويبقى التساؤل قائماً حول مدى امتلاك الولايات المتحدة لهذه الآلية. فحتى قبل أن تُبطل المحكمة العليا ما يُسمى بالتعريفات الجمركية المتبادلة التي فرضتها الإدارة، كانت توقعات الاقتراض الحكومي تقترب من حدود الخطر. فعجز الموازنة الذي بلغ 6% من الناتج المحلي الإجمالي، حتى مع وصول الاقتصاد إلى مستوى التوظيف الكامل واستقرار أسعار الفائدة، يعني أن الدين العام (الذي يقترب بالفعل من مستويات قياسية) سيستمر في النمو بوتيرة أسرع من نمو الاقتصاد. وهذا هو معنى «غير مستدام».
سيؤدي تراجع إدارة ترامب عن قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية IEEPA إلى حرمان الحكومة من حوالي 150 مليار دولار سنوياً من الإيرادات المتوقعة (وهو مبلغ يزيد قليلاً عما يمكن تحصيله برفع جميع معدلات ضريبة الدخل بنسبة نقطة مئوية واحدة). إضافةً إلى ذلك، قد تضطر الحكومة إلى رد الرسوم الجمركية التي تم تحصيلها بالفعل. ولتعويض هذا النقص، أعلن ترامب عن فرض تعريفة جمركية عالمية جديدة بنسبة 10% ترتفع إلى 15% بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، كما وعد بإجراء «تحقيقات» جديدة قد تُفضي إلى فرض ضرائب جديدة بموجب قوانين أخرى - وهي إجراءات تُهدد بتقويض الاتفاقيات التجارية المُبرمة بالفعل مع العديد من الشركاء. باختصار، يضمن حكم المحكمة أمرين: إيرادات أقل من المتوقع، بالإضافة إلى مزيد من عدم اليقين بشأن نظام التعريفات الجمركية المستقبلي.
لا يمكن فرض تعريفات بموجب المادة 122 إلا لمدة 150 يوماً دون موافقة الكونجرس. علاوة على ذلك، يُحتمل أن تكون هذه التعريفات غير قانونية لأن مبررها - وهو ضرورة معالجة «مشاكل المدفوعات الدولية الأساسية» بما في ذلك «عجز كبير وخطير في ميزان المدفوعات» - لا ينطبق على الأرجح. (تعاني الولايات المتحدة من عجز كبير في الحساب الجاري، يُموّل بفائض مماثل في حساب رأس المال، ولكن ليس لديها «عجز في ميزان المدفوعات» بالمعنى المتعارف عليه لهذا المصطلح). كما أن الصلاحيات الأخرى المتاحة مشكوك في قانونيتها، لأنها تعتمد في الغالب على نوع من الحاجة المُلحة لعرقلة التجارة، وهي حاجة غير موجودة.
ويبدو أن الكونجرس غير مكترثٍ بشكلٍ لافتٍ للنظر بشأن هذا التجاوز الرئاسي لقوانين التجارة. فبعد أن منح البيت الأبيض هذه الصلاحيات المحدودة ظاهرياً، بات يكتفي بالمشاهدة بينما تتوالى حالات الطوارئ الزائفة. لكن الدعاوى القضائية والمحكمة العليا المتشككة حلّت محل الكونجرس. وتُبرز انتكاسة قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية IEEPA هشاشة استراتيجية التعريفات الجمركية الأوسع نطاقاً. فما دام الاعتماد على ضرائب الاستيراد غير مضمون، وما لم يُجبر الكونجرس على أخذ ضبط الميزانية على محمل الجد، سيتفاقم العجز في الإيرادات، وسيسود قدرٌ هائلٌ من عدم اليقين المالي. ونتيجةً لذلك، لن يكون لدى واشنطن مجالٌ ماليٌ يُذكر، إن وُجد، للاستجابة لانتكاسة اقتصادية كبيرة بتخفيضات ضريبية أو زيادة في الإنفاق العام.
في نهاية المطاف، قد يكون عدم اليقين الشديد بمثابة الضربة القاضية. عند نقطة معينة، تُختبر الثقة من جديد، وفجأة، ينهار كل شيء. إلى أي مدى يمكن للاقتصاد الأميركي، بكل ما يملكه من نقاط قوة هائلة، أن يستوعب هذا الاضطراب؟ لقد كانت سياسات إدارة ترامب التجارية والميزانية تُغامر بالفعل بكارثة مالية. والآن، مع الضربات الإيرانية، يُضاعف البيت الأبيض من المخاطرة.
*كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


