جريدة الإتحاد - 3/8/2026 12:31:45 AM - GMT (+4 )
في التاسع عشر من شهر رمضان المبارك من كل عام، تستحضر دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال يوم زايد للعمل الإنساني، إرثاً خالداً لمسيرة قائد استثنائي، غيّر مفهوم العمل الإنساني ليس على مستوى المنطقة فحسب، بل على مستوى العالم أجمع، هو القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. وهذه المناسبة الوطنية، هي تجسيد لرؤية إنسانية متكاملة شكلت الأساس الذي ترتكز عليه دولة الإمارات في سياساتها المحلية والدولية تجاه العطاء الإنساني والتنمية المستدامة.
لقد أسس الشيخ زايد نموذجاً عالمياً فريداً في العمل الإنساني، يقوم على المبادرة والعطاء المستمر، وليس على ردود الفعل العاجلة أو المساعدات المؤقتة. فالإيمان بالإنسان كثروة حقيقية لأي مجتمع، والواجب الأخلاقي للقادرين على مد يد العون للمحتاجين دون تمييز، كانا حجر الزاوية في فلسفته. من هذا المنطلق، امتدت مشاريع الإمارات الإنسانية في عهده لتشمل كافة القارات، وشملت بناء المدارس والمستشفيات، وحفر الآبار، وإقامة السدود، وتشييد المساكن، لتوفير حياة كريمة لملايين البشر، ومنحهم الفرصة للعيش بكرامة.
وعلى الصعيد الداخلي، أسهم القائد المؤسس في بناء مجتمع متماسك يقوم على العدالة الاجتماعية والتكافل، مع وضع الإنسان في صميم التنمية. فكان التعليم المجاني والرعاية الصحية والسكن الكريم أولويات راسخة، إلى جانب توفير بنية تحتية حديثة، لتعزيز جودة الحياة. وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ ثقافة العمل الخيري والتطوعي داخل المجتمع، بحيث أصبحت المساعدات الإنسانية جزءاً من أسلوب حياة متجذر في قيم المجتمع.
ومع مرور أكثر من عقدين على رحيل الشيخ زايد، لم يتوقف إرثه بل ازداد اتساعاً وتأثيراً، حتى أصبحت الإمارات اليوم من بين أكبر الدول المانحة للمساعدات الإنسانية والتنموية عالمياً نسبة إلى دخلها القومي. فهي حاضرة دائماً في مناطق الكوارث والأزمات، تقدم الإغاثة العاجلة، وتدعم مشاريع التنمية المستدامة، وتعمل ضمن شراكات دولية لتعزيز الأمن الغذائي والصحي ومكافحة الفقر، مما يعكس رؤية استراتيجية مستدامة للعطاء الإنساني.
وفي إطار ترسيخ هذا الإرث وضمان استمراريته، أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، مرسوماً اتحادياً بإنشاء «مؤسسة إرث زايد الإنساني»، لتكون امتداداً حياً لمسيرة الخير التي بدأها القائد المؤسس. وتمثل هذه المؤسسة توجهاً استراتيجياً يحفظ هذا الإرث ويطوّره، مواكباً للتحديات العالمية، ويؤكد أن العمل الإنساني في الإمارات هو منظومة متكاملة طويلة الأمد وليس مجرد مساعدات عابرة.
وفي امتدادٍ طبيعي لهذا النهج، تستمر القيادة الرشيدة في إطلاق المبادرات الإنسانية الكبرى التي تعكس التزام الإمارات بمسؤوليتها العالمية. ومن أبرز هذه المبادرات «حملة 11.5 حدّ الحياة الرمضانية» التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، والتي تهدف إلى إنقاذ ملايين الأطفال من الجوع وسوء التغذية، مؤكدة أن العطاء هو استراتيجية مستدامة تعكس مسؤولية الدولة الإنسانية تجاه العالم.
ويحمل يوم زايد للعمل الإنساني بعداً مجتمعياً عميقاً، حيث تتحول المناسبة إلى حدث مجتمعي شامل داخل الدولة، إذ تتكامل جهود المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والهيئات الخيرية والمتطوعين والأفراد في إطلاق برامج إغاثية، وتجهيز المساعدات الغذائية والطبية، وتنفيذ المبادرات الصحية والتعليمية، ما يعكس ترسخ ثقافة العطاء في المجتمع.
ولا يمكن فصل هذه المبادرات عن الهوية الوطنية للدولة القائمة على التسامح والتعايش والتضامن الإنساني. فالإمارات تقدم المساعدات بوصفها واجباً أخلاقياً، مستندة إلى قيم أصيلة أرساها الشيخ زايد. ومن خلال هذا النهج، أصبحت الدولة نموذجاً عالمياً في المسؤولية الإنسانية، وشريكاً موثوقاً في دعم الاستقرار والتنمية حول العالم.
إن يوم زايد للعمل الإنساني ليس مجرد ذكرى سنوية، بل رسالة متجددة للأجيال بأن البناء الحقيقي للأوطان يبدأ بالإنسان، وأن الخير الصادق يخلّد أصحابه في ذاكرة الشعوب. وقد أثبتت التجربة أن زايد حاضر في كل مبادرة إنسانية تنطلق من أرض الإمارات، وفي كل مشروع تنموي يعيد الأمل إلى مجتمعٍ أنهكته الأزمات.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


