جريدة الإتحاد - 3/8/2026 11:33:01 PM - GMT (+4 )
عبارة «سكينة» التي نستخدمها هنا مفهوم قرآني وتراثي عريق، يفيد ثلاثة معانٍ مترابطة هي: الطمأنينة والثبات والصلابة، ولا شك أنها تنطبق اليوم على الاستجابة الإماراتية الفاعلة للاعتداءات الإيرانية الغاشمة، التي كشفت عن بعد نظر قيادة البلد وكفاءة المؤسسات العمومية للدولة وجاهزيتها لكل الظروف والطوارئ، بما عزز الثقة الداخلية والخارجية في النموذج التنموي والإنساني الإماراتي.
لترجمة عبارة سكينة في المعجم الدلالي المعاصر، نرى أن هذه المقولة يمكن تفكيكها إلى ثلاث مفاهيم أساسية هي الرفاهية والعقلانية والمؤسسية.
الرفاهية عبارة مستمدة من القاموس الاقتصادي وتعني الانتقال من نظام تنموي يحقق حاجيات الفرد الأساسية إلى نظام يكفل الحد الأقصى من الرعاية الاجتماعية والإدماج في الحياة النشطة، ومن هنا بروز مفهوم التنمية الإنسانية المستدامة بديلاً عن النمو الاقتصادي الكمي المحض لدى المؤسسات المالية والتنموية الدولية. بيد أن هذه العبارة أصبحت هي التعبير المعاصر عن فكرة «السعادة» التي تحدث عنها فلاسفة اليونان وربطوها بالفضيلة والحكمة والتدبر العقلي. وإذا كان من الصعب قياس هذه الانطباعات النفسية التي تحدث عنها الفلاسفة قديماً، فإن الهيئات الدولية طورت اليوم منهجية عملية لتقويم مستوى الرفاهية في دول العالم، من أهمها الحقوق الاجتماعية ومؤشرات الرعاية ومدى استفادة المواطن من الثروة المحلية وفق معايير العدالة والإنصاف.
ووفق هذه المؤشرات، لا شك أن الإمارات في صدارة دول العالم من حيث سياساتها التنموية المركزة على تحقيق حاجيات المواطن إلى حد تحويل السعادة إلى هدف عمومي معلن. ولقد أثبتت الأحداث الأخيرة قدرة الدولة الفائقة على تأمين هذه الوظيفة الرعائية الشاملة، فلم تتأثر ظروف المواطنين والمقيمين بالأوضاع الإقليمية المتأزمة.أما العقلانية فتعني التخطيط المحكم والتوقع الإستشرافي الدقيق والواقعية العملية، وهي قيم تبنتها الإمارات وحولتها إلى مرتكزات لسياسات الدولة العمومية في المجالات الداخلية والخارجية. ولم نشهد خلال الأزمة الأخيرة أي مواقف انفعالية أو تصرفات غير مدروسة، بل ظهر أن هياكل الدولة تسير سيرها العادي دون احتقان أو قلق، وتأكد أن قيادة البلاد استعدت لكل المشاهد والاحتمالات، وحددت لها الطرق والآليات المناسبة.
أما المؤسسية فهي من سمات الدولة الحديثة من حيث تشكلاتها البيروقراطية ونظمها المقننة، وهي تنطلق من تعقيدات المجتمعات المعاصرة ومقتضيات الفصل بين دوائرها المختلفة، بيد أن المؤسسية - على أهميتها - لا تستقيم دون قيادة متبصرة تضمن حسن سيرها وكفاءة مردودها. لقد أدركت المجتمعات الليبرالية الغربية مؤخراً هذه المعادلة، واستعادت تعلقها بالسياسة من حيث هي ممارسة قيادية لا يمكن أن تعوضها الهياكل البيروقراطية التقنية.
في الحالة الإماراتية، نلمس التركيبة المؤسسية الفاعلة بإدارة قيادة حكيمة ومتبصرة قريبة من الناس، تحمل همومهم وتعيش واقعهم. في الأزمة الأخيرة، كان من أهم مصادر طمأنينة المواطنين والمقيمين وجود القادة في الميدان وفي وسط الناس.
لقد أثبتت هذه المعطيات ثلاث حقائق، لا مجال لإنكارها هي:
أولاً: صلابة النموذج التنموي الإماراتي الذي قام على محددات راسخة لا تتأثر بالأزمات العارضة ولا تقلبات المعادلات الاستراتيجية ولا الحروب والصراعات العنيفة. ولقد شهدنا في الأيام الماضية الإحساس العارم بأن القدرة الاستقطابية الإماراتية عالمياً لم تتأثر بأجواء المواجهة القائمة، رغم استمرار العدوان الإيراني الذي قاومته الدفاعات الجوية الإماراتية بكفاءة عالية.
ثانياً: قوة ونجاعة الهياكل المؤسسية العمومية الإماراتية في مختلف المجالات الاقتصادية والصحية والغذائية والتربوية، وهي حالة نادرة في العالم العربي الذي يعاني من اختلالات البناء المؤسسي، بما جعله في وضع هش تجاه التحديات الطارئة والتقلبات المفاجئة.
ثالثاً: منزلة الإمارات في المنظومة الدولية، من حيث هي طرف مؤثر وفاعل على مختلف الأصعدة والجبهات. لقد ظهر بوضوح من خلال حجم التعاطف والتضامن الشامل مع الإمارات في مواجهة الاعتداءات الإيرانية أن البلد نجح فعلاً في بناء شبكة علاقات دولية واسعة، ليس فقط في محيطه الخليجي والعربي، لكن على عموم مناطق وأقاليم العالم، كما نجح في إقامة سياسات شراكة متعددة وناجعة مع مختلف القوى الفاعلة على الساحة الدولية.
هذه الحقائق الثلاث هي ما يسمح لنا بالقول: إن ثقافة السكينة راسخة في الإمارات، التي اختارت طريق السلم والتسامح والتضامن، حين اختار آخرون مسلك التعصب والعدوانية والانغلاق. وما يجري راهناً هو تصادم هذين المنطقين، ومن المؤكد أن الإمارات ضمنت شروط النجاح والظفر في هذه المواجهة.
*أكاديمي موريتاني
إقرأ المزيد


