جريدة الإتحاد - 3/10/2026 11:50:33 PM - GMT (+4 )
في إطار سعي دولة الإمارات العربية المتحدة لتعزيز التعاون بين المؤسسات العلمية والدينية، أطلقت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة فعاليات «منتدى القباب» خلال شهر رمضان المبارك، من خلال ندوة علمية بعنوان «جسور المعرفة: التكامل العلمي بين المؤسسات الدينية». تهدف هذه المبادرة إلى دراسة آليات تبادل المعارف وتقييم أثرها على مختلف جوانب الحياة الدينية والاجتماعية، بما يشمل الفتوى والمستجدات الفقهية والخطاب الشرعي، إلى جانب قضايا الوقف والزكاة، وعمارة المساجد، والأسرة والمجتمع.
ويتيح هذا المنتدى منصة لتحليل التحديات والفرص التي تواجه المؤسسات الدينية في تطوير خطاب معتدل يواكب مستجدات العصر. وتركّز فعاليات المنتدى على محورين رئيسيين: الأول هو أهمية الشراكات المؤسسية وتطوير آليات إنتاج المعرفة الشرعية لمواكبة المتغيرات وبناء خطاب علمي رصين. والثاني يتعلق بدور المؤسسات الدينية في حماية الهوية الوسطية وترسيخ خطاب الاعتدال، من خلال برامج تعليمية مستدامة تجمع بين الأصالة والانفتاح، وتعزيز قيم التسامح والتعايش وقبول الآخر، وتشجيع البحث العلمي، ودعم الحوار المجتمعي، بما يعزّز استقرار المجتمع وينمي وعيه الديني المعتدل.
والحاصل أن دولة الإمارات تُمثّل نموذجاً عالمياً متميزاً في تعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي، وهي تستلهم في ذلك رؤية مؤسسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وتبذل الإمارات جهوداً متواصلة في هذا المجال، تتكامل هذه الجهود مع إطار تشريعي متطور ومبادرات مؤسسية، لتُشكّل ركيزة أساسية في رؤية «نحن الإمارات 2031» التي تربط بين التراث الديني والتقدم العلمي.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى القانون الاتحادي رقم (2) لسنة 2015 بشأن مكافحة التمييز والكراهية، الذي يجرّم التحريض على الكراهية الدينية أو العنصرية، ويحمي حرية المعتقدات. وفي عام 2024، تم تعزيز مضمون هذا القانون بتعديلات غلّظت العقوبات على الخطاب المتطرف، كما تم تأسيس وزارة التسامح والتعايش عام 2016 – الأولى من نوعها عالميًا– لتنفيذ البرنامج الوطني للتسامح الذي اعتمده مجلس الوزراء، ويشمل محاور رئيسية تتركز على تعميق قيم التسامح في الأجيال الجديدة، ودعم البحوث في حوار الحضارات، وتطوير التشريعات، ونشر الخطاب الإعلامي المعتدل.
ولدولة الإمارات جهودها البارزة لتعزيز التسامح والتعايش السلمي على الصعيد الدولي، ومنها وثيقة «الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك» التي تم توقيعها أبوظبي عام 2019 والتي أسست «لجنة الأخوة الإنسانية العليا» و«بيت العائلة الإبراهيمية»، الذي يشمل في مجمع واحد مسجداً وكنيسة وكنيساً، كرمز حي للحوار بين الأديان. كما أطلقت الإمارات «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» و«مجلس حكماء المسلمين»، لمواجهة التطرف وتعزيز الوسطية الإسلامية.
وفي مجال بناء الخطاب الديني المعتدل، يبرز «مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي» كجهة مرجعية وحيدة مرخّصة لإصدار الفتاوى العامة، أُسس بقرار مجلس الوزراء رقم (31) لسنة 2017 وتم تعزيزه بالقانون الاتحادي رقم (3) لسنة 2024، ويهدف إلى توحيد المرجعية الشرعية، ومكافحة الفتاوى المتطرفة، وتأهيل المفتين. ويتبنى المجلس استراتيجية ابتكار أدوات اجتهادية معاصرة تربط الفتوى بالتطورات العلمية والاجتماعية، مثل قضايا الذكاء الاصطناعي والاستدامة البيئية، مما يعكس تعاوناً وثيقاً بين المؤسسات الدينية والعلمية.
أما التعاون المباشر بين المؤسسات العلمية والدينية، فيتجلى بوضوح في برنامج «توطين الأئمة» الذي أطلقته الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة بالتعاون مع جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية في أكتوبر 2024، ويشمل مناهج متكاملة في فقه الإمامة، والمهارات اللغوية والتجويد، والقيم الأخلاقية، والأمن الفكري، وعلم النفس والاجتماع، والإلقاء، مع التركيز على الانسجام مع التطورات العلمية والعالمية. كما يدعم «مجلس علماء الإمارات» وشراكات مثل رصد الهلال بين أكاديميات الفضاء ومجلس الإفتاء، بالإضافة إلى البرنامج الوطني لإعداد العلماء الإماراتيين، تأهيل جيل من العلماء الدينيين المتمرسين في المعارف الحديثة.
يمثل «منتدى القباب» نموذجاً فاعلاً لتعزيز التكامل بين المؤسسات العلمية والدينية في الإمارات، حيث يتيح تبادل الخبرات ومناقشة القضايا المعاصرة بأسلوب علمي معتدل. يعكس هذا المنتدى التزام الدولة ببناء خطاب ديني متوازن يخدم المجتمع ويعزّز الاستقرار، كما يبرز أهمية التعاون المؤسسي في تطوير الفتوى والخطاب الشرعي والبرامج الاجتماعية. ويؤكد نجاح مثل هذه المبادرات على دور العلم والمعرفة في مواجهة التحديات المجتمعية.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيحية.
إقرأ المزيد


