فشل حكم ولاية الفقيه في إيران
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

حين ألقى «آية الله» الخميني محاضراته في النجف عام 1970، طرح ادعاءً أثار صدمة حتى في أوساط الفقهاء الشيعة المتعاطفين معه: أن الفقيه الأعلى لا ينبغي أن يكتفي بإرشاد المؤمنين، بل عليه أن يحكمهم - وأن يمارس السلطة الحكومية ذاتها التي مارسها النبي (ص). لم يكن هذا تطويراً للتراث الفقهي، بل كان انقلاباً عليه. 
لفهم مدى جذرية ما طرحه الخميني، لا بدّ من استحضار ما سبقه. فالفقه الشيعي قَبِل منذ قرون بأن العلماء المؤهلين يمكنهم ممارسة ولاية محدودة - على الأيتام والقاصرين وشؤون العبادات. ووسّع الفقيه محمد مهدي النراقي في القرن التاسع عشر نطاق هذه الولاية لتشمل بعض الشؤون العامة، لكنه توقّف عند حدود المطالبة بالسلطة السياسية المطلقة للفقهاء. أما التيار السائد الذي حمل لواءه في القرن العشرين مراجع كبار كالسيد البروجردي والسيد السيستاني في النجف، فقد نبّه من العاقبة بوضوح: الحكم المباشر للعمائم يُفسد رجال الدين والدولة معاً، والحكم الرشيد يحتاج إلى رضا الشعب، لا إلى تفويض إلهي يدّعيه فقيه.
رفض الخميني هذا كله. في نظره، تركُ الحكم للحكّام العلمانيين ليس خياراً سياسياً، بل خيانة عقدية. فالفقيه هو السلطة العليا للدولة، وأحكامه تعلو على كل مؤسسة - بل تعلو، كما أوضح لاحقاً، على أحكام الشريعة نفسها حين تقتضي «مصلحة النظام الإسلامي» ذلك. كُرّس هذا الادعاء في دستور 1979، فأصبحت إيران الدولة الوحيدة في التاريخ التي يقوم نظامها الدستوري على هذا المبدأ الباطل!
السؤال الذي طُرح منذ البداية كان: هل يصمد هذا المبدأ أمام واقع حكم ثمانين مليون إنسان؟ الإجابة التي كتبتها أربعة عقود من حياة الإيرانيين هي: لا.
لننظر في الأعمدة الثلاثة التي أقامت عليها ولاية الفقيه شرعيتها. الأول: التفويض الإلهي - فالمرشد الأعلى يحكم نيابةً عن الإمام المهدي بتأييد من الله (وهذه خرافة لا أصل لها في الدين). والثاني: الجدارة - فالعالِم الأكفأ يُختار عبر آلية علمية حوزوية صارمة. والثالث: العدالة - فالحكم الإسلامي يحقق الرفاه والكرامة للمواطنين.
انهار كل عمود من هذه الأعمدة. فادعاء التفويض الإلهي يفقد معناه حين يكدّس كبار المسؤولين الدينيين وقادة الحرس الثوري ثروات طائلة... بينما يرزح المواطن الإيراني تحت انهيار العملة والتضخم المزمن وشحّ المياه الذي أفرغ القرى من سكانها. وادعاء الجدارة سقط حين تولّى علي خامنئي - وهو «حجة الإسلام» لا «آية الله عظمى» - منصب المرشد عام 1989، فاضطر النظام إلى ترقيته ولم تقم سلطته على العلم، بل على السيطرة المؤسسية التي فرضها عبر البيروقراطية الموازية لبيت الرهبري (بيت الخامنئي) والامتداد المتواصل للحرس الثوري في كل مفاصل الدولة والاقتصاد. وأما ادعاء العدالة فلا يحتاج إلى مَنْ يدحضه - دحضه الواقع نيابةً عنّا...!
الشعب الإيراني أصدر حكمه بنفسه، مراراً وبثمن باهظ. شعاراتهم لم تطالب بالإصلاح، بل بإسقاط النظام. «آخوندها برید گم شید» - أي «أيها المعمّمون ارحلوا» - ليس نداءً لحوكمة أفضل ضمن ولاية الفقيه، بل سحبٌ صريح للشرعية من المنظومة برمّتها. نجا النظام كعادته عبر القوة المفرطة. والحكومة التي لا تحافظ على النظام إلا بقتل مواطنيها تكون قد خسرت النقاش حول حقها في الحكم!
بالنسبة لمنطقتنا العربية، تتجاوز التداعيات حدود إيران بكثير. فما يُسمّى «محور المقاومة» - حزب الله، الحوثيون، الميليشيات العراقية - مرتبط بطهران لا بالمال والسلاح فحسب، بل بإطار عقدي يجعل الولاء للمرشد الأعلى فريضة دينية. ومع تآكل مصداقية هذا الإطار داخل إيران، تضعف قبضته على هذه الأذرع. والنتيجة ليست بالضرورة أقل خطورة: شبكات وكيلة تتحرك بأجنداتها المحلية الخاصة، أقل انصياعاً لطهران، وقادرة على إشعال تصعيد إقليمي لا تستطيع إيران نفسها احتواءه أو نزع فتيله. وهذا ما شهدناه ونشهده في أكثر من ساحة عربية.
ثم هناك الملف النووي. المرشد الأعلى كان تاريخياً صاحب القرار الوحيد في الشأن النووي. مرشد ضعيف - أو الأخطر، خلافة متنازع عليها... وقيادة تشعر بتهديد وجودي حقيقي قد تخلص إلى أن السلاح النووي هو بوليصة التأمين الوحيدة التي لا يوفرها أي بديل آخر.
تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى في مارس 2026 يحسم مسألة الخلافة بالاسم فقط. شخصية لم تتولَّ منصباً رسمياً قط، ولا تملك مرجعية دينية مستقلة، ولا تدين بموقعها إلا لدعم عسكري، لا يمكنها معالجة أزمة جذرها الهوّة بين ادعاءات النظام وأدائه الفعلي. ورث اللقب... لكنه لم يرث الشرعية.
لا يعني هذا أن إيران ستنهار غداً. فالأنظمة التي تحكم بالخوف لا تسقط بالضرورة - لكنها لا تنام. تبقى مستيقظة على حافة لا تراها: صدمة اقتصادية لم تكن في الحسبان، أو أزمة خلافة تتحول إلى صراع مفتوح، أو شرارة احتجاج تسبق القبضة الأمنية قبل أن تُطبق. البقاء شيء... والاستقرار شيء آخر تماماً! - والشعب الإيراني الذي يدفع الثمن كل يوم يعرف ذلك جيداً.


*مستشار برلماني



إقرأ المزيد