الإيرانيون.. كيف ينظرون للحرب؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

بعد أن كتبتُ مقالاً انتقدتُ فيه «مهاجمة إيران»، واجهتُ ردود فعل سلبية من بعض الإيرانيين، الذين يفهمون المنطقة أفضل مني بكثير. قال أحدهم على مواقع التواصل الاجتماعي: «نحن الإيرانيين أردنا هذا. أنت لا تعرف كيف يكون العيش تحت وطأة أحد أكثر الأنظمة وحشية».

إنهم يطرحون سؤالاً وجيهاً: إذا كان بعض الإيرانيين يحتفلون في الشوارع - متلهفين للتغيير لدرجة أنهم يرحبون بقصف مدنهم - فهل يجب علينا الاعتراض؟ أتعاطف مع هؤلاء الإيرانيين، فقد لمستُ القمع بنفسي خلال تغطيتي الصحفية في إيران على مر السنين: رجال شرطة يقتحمون مقابلاتي، بلطجية أمن يصرخون في وجه النساء ليغطين وجوههن، وعملاء مخابرات احتجزوني ذات مرة في طهران، واتهموني بالتجسس، وهددوني بالسجن لأجل غير مسمى حتى أعترف حسب زعمهم. إنه لأمر مرعب أن تشعر بأنفاس دكتاتورية إيران تخنقك. في إيران، لمستُ استياءً من النظام في كل مكان.

حتى أنني لمسته في مكتب مرجع ديني في مدينة «قم»: آنذاك عرّفني مترجمي مازحاً بأنني قادم من بلد «الشيطان الأكبر»، فردّ عليه أحد مساعدي المرجع ضاحكاً: «أميركا ليست سوى شيطان صغير. لدينا الشيطان الأكبر هنا في وطننا». تضم إيران طيفاً واسعاً من الآراء، وللنظام مؤيدون، لا سيما في المناطق الريفية. وحتى بين «الإصلاحيين»- المعارضين لنهج «المحافظين»- ثمة مخاوف من أن تُفاقم هذه الحرب الأوضاع، وربما تُهدد بقاء الأمة. عندما سألتُ أحد المعارضين الإيرانيين عمّا يتوقعه من الحرب، أجاب باختصار: «لا شيء يُبشّر بالخير».

ومن الطبيعي أن يأمل بعض الإيرانيين أن تُحرر هذه الحرب بلادهم وتُعيد إليهم دفء الحياة، أتذكر أيضاً فترة وجودي في كابول في بداية الحرب الأفغانية، حيث أخبرني أفغان عن مدى سعادتهم برؤية آخر معاقل «طالبان»، شاهدتُ حشوداً غفيرة في البصرة بالعراق تحتفل بإسقاط صدام حسين. وفي طرابلس بليبيا، رأيتُ جموعاً تهتف بالتدخل الأميركي. باختصار، الحماس الأولي ليس مؤشراً موثوقاً للنجاح. في الوقت الراهن، لا ينهار النظام الإيراني، بل تتسع رقعة الحرب. فالشعب الإيراني لا يُطيح بحكومته، والحرب تنتشر في أرجاء المنطقة.

وإلى جانب الخسائر في الأرواح من الإيرانيين والأميركيين وغيرهم، ترتفع أسعار النفط والغاز، وتُعرقل حركة الملاحة في مضيق هرمز. وهناك شعور بالمعاناة حتى في أماكن بعيدة: فقد أفادت اليونيسف بنزوح 18 ألف طفل في لبنان بعد وصول الحرب إلى ذلك البلد. وقد كلّفنا كل هذا، وفقاً لأحد التقديرات، 5 مليارات دولار حتى اليوم الثالث من الحرب. وربما تُفاقم إدارة ترامب الفوضى بدعمها للانفصاليين الأكراد المسلحين، ما قد يدفع إيران نحو حرب أهلية.

وقد تسببت الحرب الأهلية في سوريا في تدفق ملايين اللاجئين إلى مختلف أنحاء العالم، وقد يؤدي صراع مماثل داخل إيران - التي يبلغ عدد سكانها أربعة أضعاف سكان سوريا تقريباً - إلى تدفقات أكبر من اللاجئين، لا سيما إذا امتدت الصراعات العرقية التي تشمل الأكراد أو البلوش إلى الدول المجاورة. لكننا قتلنا المرشد الأعلى لإيران! نعم، هذا صحيح. لكن بينما رأى الأميركيون في اغتيال «آية الله علي خامنئي» وسيلةً لإضعاف نظامه، ثمة ما يدعو للاعتقاد بأن خامنئي رحّب برحيله كوسيلة لتقويته!، بل يُقال الآن إن ابنه، مجتبى خامنئي، الذي تولى منصب المرشد الأعلى الجديد، وهو ما يُمكّن المتشددين من إدامة وحشيتهم.

ومن المرجح أن يلعب الجهاز الأمني، ولا سيما الحرس الثوري الإيراني - الذي تربطه علاقات وثيقة بخامنئي الابن - دوراً أكبر في إيران. وقد يعني ذلك حماساً أكبر لامتلاك أسلحة نووية ولدعم قوات الوكلاء في المنطقة. دعونا نتحلى جميعاً بالتواضع. من الممكن بالطبع أن ينهار النظام وتظهر إيران ديمقراطية. أحياناً، يكون المتفائلون على حق، حتى في الشرق الأوسط. وقد تتوقف نتيجة هذه الحرب جزئياً على ما إذا كانت إيران ستنفد صواريخها وطائراتها المسيّرة أولاً، أم أننا سنستنفد مخزوننا من الصواريخ الاعتراضية أولاً.

 



إقرأ المزيد