الإمارات ومواجهة ظاهرة «الإسلاموفوبيا»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في ظل تصاعد مظاهر الكراهية الدينية وتصاعد خطابات الإقصاء في العديد من المجتمعات حول العالم، أصبح تعزيز مبادرات دولية لترسيخ ثقافة التعايش ومواجهة ظاهرة «الإسلاموفوبيا» أمراً ملحاً، إذ تشكل هذه الظاهرة تهديداً حقيقياً للسلم المجتمعي العالمي. ويأتي الخامس عشر من مارس من كل عام، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2022 يوماً دولياً لمكافحة كراهية الإسلام، ليؤكد أهمية الجهود المشتركة بين الدول والمجتمعات في التصدي للتحريض والتمييز الديني، وتعزيز قيم الاحترام والتفاهم المتبادل بين الشعوب. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الماضية كإحدى النماذج الإقليمية الرائدة في ترسيخ قيم التسامح والحوار بين الثقافات، فقد تبنت رؤية تقوم على أن مواجهة «الإسلاموفوبيا» لا تقتصر على الدفاع عن صورة الإسلام، بل تمتد إلى حماية منظومة القيم الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات المتعددة والمتنوعة. ومن هذا المنطلق، سعت الإمارات إلى توظيف أدواتها الدبلوماسية والثقافية للمساهمة في تعزيز التفاهم بين الحضارات، والمشاركة في الجهود الدولية الرامية إلى الحد من خطاب الكراهية والتمييز الديني.
ويستند هذا الدور إلى نموذج داخلي عملت الإمارات على بنائه وترسيخه على مدى السنوات الماضية، حيث شكّل إعلان عام 2019 «عاماً للتسامح» محطة مهمة في تعزيز ثقافة التعايش داخل المجتمع الإماراتي. إذ شهد ذلك العام إطلاق عدد من المبادرات التي ركزت على ترسيخ قيم الحوار والانفتاح بين أتباع الديانات المختلفة، وكان من أبرزها توقيع «وثيقة الأخوة الإنسانية» في أبوظبي، التي دعت إلى تعزيز قيم السلام والتعاون بين الأديان والثقافات.
وتعزز هذا التوجه مع افتتاح «بيت العائلة الإبراهيمية» في أبوظبي عام 2023، وهو مجمع ديني وثقافي يضم مسجداً وكنيسة وكنيساً في موقع واحد. وقد جاء هذا المشروع ليجسد بصورة عملية فكرة التعايش الديني، وليبعث برسالة رمزية إلى العالم مفادها أن التنوع الديني يمكن أن يكون أساساً للتفاهم والتعاون، وليس سبباً للصراع أو الانقسام.
ولا تقتصر جهود الإمارات على المبادرات الرمزية أو الثقافية، بل تمتد إلى السياسات التعليمية التي تنظر إليها الإمارات باعتبارها ركيزة أساسية في بناء مجتمعات أكثر انفتاحاً وتسامحاً. فقد شهدت المناهج التعليمية خلال السنوات الأخيرة تطويراً متواصلاً لتعزيز مفاهيم المواطنة العالمية والقيم الإنسانية المشتركة، إلى جانب إبراز الإسهامات الحضارية للإسلام في مجالات العلم والمعرفة. ويهدف هذا التوجه إلى ترسيخ الوعي لدى الأجيال الجديدة يقوم على احترام التنوع الثقافي والديني وفهمه بوصفه جزءاً من التجربة الإنسانية المشتركة.
وتتكامل هذه الجهود مع مبادرات ثقافية وإعلامية تسعى إلى مواجهة الصور النمطية السلبية عن الإسلام والمسلمين، وتعزيز خطاب عقلاني قائم على الحوار والمعرفة. وفي عالم يشهد توسعاً متزايداً للفضاء الرقمي وتأثيره في تشكيل الرأي العام، تبرز أهمية هذه المبادرات في التصدي لخطابات الكراهية التي تنتشر عبر المنصات الرقمية، والعمل على نشر خطاب أكثر توازناً يعكس القيم الحقيقية للتعايش والتسامح.
وعلى المستوى الدولي، تواصل الإمارات دعم المبادرات التي تقودها المنظمات الدولية لتعزيز الحوار بين الأديان ومكافحة التمييز الديني، انطلاقاً من رؤية ترى أن مواجهة «الإسلاموفوبيا» تتطلب تعاوناً دولياً يتجاوز الجهود الفردية للدول. فمعالجة هذه الظاهرة ترتبط بمجموعة من العوامل الثقافية والسياسية والإعلامية، وهو ما يستدعي تنسيقاً واسعاً بين المؤسسات الدولية والحكومات والمجتمعات المدنية.
وتقدم تجربة دولة الإمارات في هذا المجال نموذجاً عملياً لكيفية تحويل قيم التسامح إلى سياسات ومبادرات ومؤسسات تسهم في تعزيز التفاهم بين الشعوب. وفي عالم يواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالاستقطاب الثقافي والديني، تبرز مثل هذه التجارب بوصفها جسوراً ضرورية لبناء الثقة وترسيخ أسس السلام والاستقرار.
ختاماً، يتضح أن مواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا تتجاوز حدود المسؤولية الفردية أوالوطنية، لتصبح تحدياً جماعياً يتطلب تضافر جهود المجتمع الدولي بأسره. إن التجارب التي تضع الحوار والتعايش في قلب سياساتها، كما تجلت في نموذج دولة الإمارات، تقدم مثالاً عملياً على قدرة السياسات الشاملة على تعزيز التفاهم والاحترام المتبادل، مسهمة بذلك في بناء عالم أكثر توازناً وشمولية يحترم التنوع الإنساني ويصون قيم العدالة والكرامة المشتركة.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 



إقرأ المزيد