منطق السياسة ومنطق الانتقام!
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

  ليس صحيحاً على إطلاقه قول كلاوزفيتز إنّ الحرب استمرارٌ للسياسة(!). بل إنّ الحرب حرب والسياسة سياسة. فالانتقال من التفاوض إلى القتال هو انتقالٌ إلى منطقٍ آخر. وقد بدأ مجتبى خامنئي، المرشد الإيراني الجديد، عهده بمنطق الحرب الذي يقوم بحسبه على ركنين: الانتقام لوالده وللمقتولين الآخرين، ومتابعة الاعتداء على دول الجوار بحجة دفع الأميركيين إلى إقفال قواعدهم بالمنطقة، وإغلاق مضيق هرمز للتضييق على الأعداء! وهذا المنطق الحزبي هو منطق الأقوياء أو القادرين، ووضع إيران ليس كذلك الآن. فالإسرائيليون والأميركيون يشّنون هجماتٍ كبيرةً بالآلاف منذ أسبوعين على إيران ولم تسقط لهم طائرةٌ، والاعتداءات الإيرانية على دول الجوار كانت في الأغلب على الأعيان المدنية وما أصاب القواعد الأميركية أي ضرر. 
وما اكتفى المرشد الجديد بذلك، بل حرّض الحزب بلبنان على الاستمرار في التحرش بإسرائيل، مع أنه يعرف أن معظم البيئة الحاضنة للحزب بالبلاد تهجّر ثلثاها وقُتل حوالى ستمائة بالهجمات المباشرة، والكيان اللبناني كله مهدَّد بالانهيار، وأول المتضررين من القتال الدائر وقبل الدولة والمجتمع البيئة الحاضنة، أو التي كانت حاضنة للحزب، والتي صارت مشرَّدة في أنحاء البلاد والصغار قبل الكبار، ولا تستطيع أن تحضن أحداً ولا شيئاً!    لا يمكن الدفاع عن منطق الحرب وممارساتها من الطرفين أو الأطراف. لكن وفي ما وراء القانون الدولي والأخلاق هناك مَنْ يستطيعون ممارسة منطق الحرب وهم يفعلون، وهناك مَنْ لا يستطيعون ذلك، بدليل الحروب القريبة والحالية، لكنهم يدّعون ذلك، وهذا منطق انتحاري يمكن للأفراد أن يمارسوه، أما الدولة ذات المسؤوليات الجماعية فإنها لا تستطيع ذلك لأن الأمر يتحول إلى مذبحةٍ عامة!    
    عند إيران فرصةٌ الآن لإنقاذ ما تبقّى، لأنّ معظم أعضاء المجتمع الدولي يرغبون في وقف الحرب والعودة إلى التفاوض. وصحيح أن الأميركيين هم الذين قطعوا التفاوض بالحرب مرتين على الأقل، لأنهم يمارسون منطق القوي الذي لا يستطيع مجتبى خامنئي ممارسته بالطريقة الانتحارية التي أعلن عن إرادته المُضيَّ فيها!
    كل العالم الآن – كما سبق القول- يرغب ويريد وقف الحرب، بما في ذلك أميركا ترامب، بسبب الأضرار الكبيرة في الطاقة والاقتصاديات والممرات البحرية والأخطار على سلام العالم. وتستطيع إيران أن تضع في حسابها أنها صمدت أسبوعين أو ثلاثة، لكن أكثر من ذلك غير ممكن حتى في الأحلام!
    هذه المرة غير كل المرات، أو لنقل إن الوضع تغيّر راديكالياً منذ حرب حماس عام 2023. لقد كانت هناك سياسات استيعابية من جانب أميركا أفادت منها إيران على مدى ثلاثة عقود - وسياسات إسرائيلية تعتمد الدفاع إذا هوجمت. هذه السياسات تغيرت لدى الطرفين، بدءاً بفترة ترامب الأولى، وصارت المبادرة الهجومية هي المعتمدة من جانب نتنياهو ومن جانب ترامب. والحروب الأخيرة من جانب إسرائيل ومن جانب ترامب دليل واضح على ذلك. ولهذا صار على الدول الكبرى مثل الصين وروسيا والدول الوسطى مثل الهند وتركيا وإيران والبرازيل وكندا وأوستراليا أن تراجع سياساتها تجاه أميركا وتجاه الجوار. وقد كانت الدول العربية بين الذين اعتمدوا التحوط والحذر والإصرار على النهج التنموي والسلمي والابتعاد عن منطق الابتزاز والأذرُع. لكنّ ذلك كلّه لم يُفِد في تغيير النهج العدواني لإيران تجاه شعبها وتجاه الجوار والعالم.
    لا بدّ أن تتوقف الحرب اليوم قبل الغد. وإذا استمرت فكل العالم متضرر، لكنّ إيران هي أكبر المتضررين!
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.



إقرأ المزيد