جريدة الإتحاد - 3/15/2026 11:38:14 PM - GMT (+4 )
لم تكن الصدمة التي عبر عنها عدد من قادة دول مجلس التعاون الخليجي، بعد الاعتداءات الإيرانية الآثمة مجرد رد فعل سياسي عابر، بل انعكاس لشعور عميق بأن قواعد العمل الدبلوماسي في المنطقة قد تعرضت لصدمة كبرى وغير مسبوقة. فالدول الخليجية بذلت جهوداً واضحة لخفض التوتر في المنطقة، وسعت إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة دائماً مع إيران، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن الخليج لا يمكن أن يتحقق إلا عبر استدامة السلام ونبذ التصعيد وإنهاء الصراع.
ولطالما لعبت سلطنة عُمان دور الوسيط بالملفات الأكثر تعقيداً لإيران، واحتفظت بموقعها التقليدي كجسر دبلوماسي قادر على نقل الرسائل وبناء التفاهمات في اللحظات الحرجة. ومثلها فعلت دولة قطر لتخفيف حدة المواجهة وتجنيب المنطقة سيناريوهات الحرب المفتوحة.
وسعت دولة الإمارات إلى خلق مقاربة تقوم على تهدئة التوترات الإقليمية وتعزيز حوارات السلام والدبلوماسية، إدراكاً منها أن استقرار الخليج شرط أساسي لأمنه وازدهاره وتنميته. وهذه المقاربة الخليجية لم تكن تعبيراً عن ضعف أو تردد، بل عن رؤية استراتيجية ترى أن المنطقة لا تحتمل مزيداً من التوترات التي قد تفضي إلى حروب غير محسوبة العواقب. غير أن التطورات الأخيرة كشفت مفارقة قاسية وخطيرة في الوقت ذاته، لتجد دول الخليج نفسها – دون أي مبرر - في مرمى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
تعكس هذه المفارقة أزمة عميقة في العلاقة بين إيران ومحيطها الخليجي. فإيران تنظر إلى المنطقة من خلال رؤية أيديولوجية وأمنية ذاتية، ترتكز على استدامة الصراع مع المحيط، وتنظر إلى مبادرات التهدئة الخليجية لا باعتبارها فرصة استراتيجية لبناء الثقة، بل مواقف آنية لتعقيد التوازنات المؤقتة بالمنطقة، والتي يمكن الانقلاب عليها عند أول اختبار حقيقي أو خطر وجودي. ودون إدراك منها بأن الخليج لم يعد مجرد ساحة جغرافية في معادلات القوى الإقليمية والدولية، بل لاعب رئيسي فيها، وأن أي استهداف لدول الخليج لا يُقرأ اليوم بوصفه حدثاً إقليمياً محدوداً، بل تهديداً مباشراً للأمن والسلم الدولي.
ومن هنا يمكن فهم ردود الفعل الخليجية التي جمعت بين الدهشة والاستياء، ولكنها في الوقت نفسه حافظت على خطاب سياسي متزن يدعو إلى تجنب الانزلاق نحو حرب شاملة. فالدول الخليجية، رغم ما تعرضت له من اعتداءات إيرانية سافرة، ما زالت تدرك أن البديل عن الاستقرار الذي تنعم به المنطقة هو الفوضى التي قد تعم المنطقة وتدمرها.
وتكشف اللحظة الراهنة بوضوح حجم الاختبار الاستراتيجي الذي تواجهه دول الخليج، فهذه الدول التي اختارت طريق السلام والتنمية والاستقرار، تجد نفسها في مواجهة سياسات إقليمية غير رشيدة، لا تدرك حجم ودرجة العواقب والمخاطر التي تمثلها للمنطقة، ومع ذلك، فإن التجربة الخليجية خلال العقود الماضية أثبتت أن قوة هذه الدول لا تكمن فقط في قدراتها العسكرية أو الاقتصادية، بل بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الإقليمي وتعزيز رؤيتها المشتركة لخلق مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للمنطقة.
وفي عالم تتزايد فيه الاضطرابات الجيوسياسية، تبدو الرؤية الخليجية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، فالسلام ليس خياراً ولا ضعفاً، ودعوات التهدئة والحوار وتغليب الحكمة ليست تنازلاً، بل شرطاً أساسياً لتكريس معادلة الأمن والاستقرار بالمنطقة. لكن الرؤية الخليجية في الوقت ذاته ترفض أي اعتداء آثم على السيادة الوطنية، أو تهديد أمن وسلامة الوطن، أو أن تقابل مساعي السلام والتهدئة التي التزامت بها دول الخليج باستهدافها بالصواريح والمسيرات التي ألحقت الضرر بالعلاقة بينها وبين إيران الجارة، أكثر مما تسببت فيه من أضرار.
كلمة أخيرة: شكراً لقواتنا المسلحة وجنودنا البواسل، والعزة والفخر لشهدائنا الأبرار.
*كاتبة إماراتية
إقرأ المزيد


