إيران «زمين» وإيران «شهر»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

باللغة الفارسية فإن «زمين» تعني الأرض، و«شهر» هي الدولة، وبين «زمين» و«شهر» يقف «رهبر معظم» أو المرشد الأعلى، هذه هي إيران المعاصرة، بين أرضٍ يملكها الشعب ودولةٍ تمثل الأمة ومرشدٍ يمثل الأيديولوجيا، أما الشعب فموقفه واضحٌ بين موافقٍ ومخالفٍ، وأما الدولة فيتحدث باسمها «الرئيس» وأما «المرشد الأعلى» فقد تحدث بخطابٍ مكتوبٍ قرأه مذيعو التلفزيون الإيراني الرسمي.

لماذا لم يتحدث المرشد الجديد صوتاً وصورةً؟ لا توجد إجابةٌ رسميةٌ بعد، والمجال مفتوحٌ للتأويل، فربما كان مصاباً أو ربما لا يريد الكشف عن موقعه في أثناء الحرب، وهذا بعيد عن التفسيرات الأميركية أو الإسرائيلية المعادية. الجدالات الدينية والفلسفية حول معاني الأرقام طويلة الذيل، ولكنها في التراث الإسلامي ركزت على بعض الأرقام مثل الرقم «سبعة» وهو الرقم الذي دار حوله جدال سابق بين «حسن حنفي» و«محمد عابد الجابري» في كتيبٍ حول حوار المشرق والمغرب، وهذا على العكس تماماً من المعاني التي تمنحها لغة الأرقام المهمة والمؤثرة في الاقتصاد والتنمية في العصر الحديث.

إيران بعد ما عرف بالثورة الإسلامية يمكن القول إن لها ارتباطاً (ما) بالرقم ثلاثة كما يطرح البعض، فهي جمهوريةٌ -بحسب «إبراهيم يزدي» أول وزير خارجية لإيران الثورة الإسلامية- مرت بـ «ثلاث» جمهوريات: الأولى، عهد «الخميني» 1979 – 1989 والثانية، عهد خامنئي 1989 – 2026 وقد أخطأ يزدي في الثالثة، وهي ما يبدو أنها ابتدأت مع خامنئي الابن 2026.

وإيران -كما يطرح الباحثون المختصون- خلال هذه العقود المتطاولة حكمتها «ثلاثة» أطرافٍ: مؤسسة المرشد والحرس الثوري ومؤسسة الرئاسة، وكان التحالف دائماً قوياً بين مؤسسة المرشد والحرس الثوري، بينما ظلت مؤسسة الرئاسة «حكومةً» معنيةً بتسيير شؤون البلاد.

من الخطأ التفكير بأن الخرافة شيءٌ خاصٌ بدينٍ أو طائفةٍ أو مذهبٍ، فهي جزء من تاريخ البشر، وقد مرّ العالم بأسره شرقاً وغرباً بأفرادٍ ومجموعاتٍ تتبع الخرافات وتعتقد بتأثيرها المباشر على الواقع المعيش، وعلى شؤون المجتمعات والدول، وفي عالمنا المعاصر ثمة فئاتٌ كبيرة من المجتمعات ما زالت تعتقد بتلك الخرافات، كلٌ بحسبه، فمن ذلك في «المسيحية» ما وثقته الكاتبة «غريس هالسل» في كتابها «النبوءة والسياسة» والخرافات اليهودية كتب عنها الكثير، أما الخرافات عند المسلمين فهي متعددة المظاهر والتشكلات بحسب تعدد الطوائف والمذاهب والمدارس، وإن كان بينها جميعاً مشتركات كبيرةٌ، وبخاصةٍ تلك التي تتعلق بآخر الزمان، وبتنزيل نصوصه على الواقع، وهذه كانت وما زالت مزلة أقدامٍ عبرت عنها مسيرة طويلة الذيل من تاريخ «الفتن» في الإسلام.

تحدث «مجتبى خامنئي» في خطابه الأول الذي قرأه الإعلام الإيراني بدلاً عنه عن عدة معانٍ، فهو بدأ خطابه بالسلام على صاحب الزمان أو «الإمام الغائب» وختمه بطلب الدعاء منه، وبين السلام والطلب جاءت المواقف السياسية والعسكرية التي تهم الشعب الإيراني والمنطقة والعالم من منظور هذه العقيدة الغيبية. أمران جديران بالتنبيه، الأول: أن دول الخليج العربية لم تزل ترفض الانخراط في هذه الحرب وترفض الاستجابة للدعوات الأميركية لها لضرب إيران، وهي كذلك ترفض سعي إيران لجرّها مرغمةً لدخول الحرب عبر تعمد إرسال الصواريخ والمسيرات بالمئات على كل دول مجلس التعاون الخليجي، وهي ما زلت مصرةً على ضبط النفس متكئةً على ميراث الحكمة ومنطق التاريخ.

الثاني: انحياز بعض النخب العربية غير الخليجية لإيران، فقط لأنها ضد إسرائيل، وهذا دليلٌ على الجهل والجمود على القديم حين كانت إسرائيل هي العدو الوحيد للعرب، ولم تكن خمسة عقودٍ قادرةٌ على تغيير تلك العقول والأقلام، وهؤلاء جميعاً أكلوا من خير دول الخليج عشرات السنين، ومع ذلك صنعوا كما صنعت جماعة «الإخوان» مع دول الخليج من قبل، وساروا خلفها حذو القذة بالقذة، فأنكروا الجميل وجحدوا المعروف وتقلبوا في الولاء والدفاع عن كل معتدٍ على دول الخليج العربي، عربياً كان أم أعجمياً، من صدّام حسين والخميني وإلى اليوم.

*كاتب سعودي
 



إقرأ المزيد