صفقة تاريخية.. وعهد جديد في اليابان
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

وفي 18 أبريل الجاري، وقّع وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي ونظيره الأسترالي ريتشارد مارلز عقوداً بقيمة 7 مليارات دولار أميركي لتوريد سفن حربية. وابتداءً من عام 2029، ستُزود شركة «ميتسوبيشي» للصناعات الثقيلة البحرية الملكية الأسترالية بـ11 فرقاطة مُطوّرة من طراز موغامي، على أن يتم بناء ثلاث منها في اليابان والباقي في أستراليا.
وتُعد هذه الصفقة التاريخية دليلاً على تحول اليابان إلى لاعب استراتيجي رئيسي. وقد اكتمل هذا التحول يوم الثلاثاء الماضي عندما أجازت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إجراء أوسع مراجعة لسياسات تصدير الأسلحة في طوكيو منذ الحرب العالمية الثانية، ما أدى فعلياً إلى إلغاء حظر دام عقوداً على تقديم المساعدات في مجال الأسلحة الفتّاكة للخارج.
وكان الوضع القانوني بعد الحرب قد قيد صادرات اليابان من المعدات والتكنولوجيا الدفاعية، لتقتصر على خمس فئات غير فتاكة: الإنقاذ والإغاثة، والنقل، وأنظمة الإنذار المبكر، والمراقبة والاستطلاع، وإزالة الألغام.
وبموجب سياستها الجديدة، ألغت تاكايتشي القيود المفروضة على صادرات الأسلحة من خمس فئات. وسيتم الآن تقسيم صادرات الدفاع إلى فئتين: «الأسلحة»، والتي تشمل الأنظمة الفتاكة مثل الطائرات المقاتلة والسفن الحربية والصواريخ، و«غير الأسلحة»، والتي تشمل المعدات غير الفتاكة مثل الرادارات.

وستخضع صادرات الأسلحة الفتاكة لموافقة مجلس الأمن القومي، الذي يضم رئيس الوزراء ووزير الدفاع والوزراء المعنيين، وذلك على أساس كل حالة على حدة.
لن تُصدر اليابان الأسلحة الفتاكة إلا إلى شركاء متوافقين معها في التوجهات، وفقًا لمفهوم كويزومي لدبلوماسية بيع الأسلحة. ويشمل هؤلاء حلفاء أساسيين مثل الولايات المتحدة وأستراليا والفلبين، إضافة إلى شركاء إقليميين أكثر قُرباً، مثل فيتنام وإندونيسيا وسنغافورة.
وترتبط اليابان مع17 دولة باتفاقيات لنقل المعدات والتكنولوجيا الدفاعية، بما يتيح لها الوصول إلى صناعة الدفاع اليابانية.
وتُعد السياسة الأميركية محركاً رئيسياً للنهضة الجيوسياسية اليابانية. ففي وثائق الأمن القومي الأساسية، لا تزال إدارة ترامب تُشير إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ باعتبارها مسرح العمليات الأمني الأبرز لقواتها. كما جدّد الرئيس دونالد ترامب التزامه باتفاقية المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة خلال قمة عقدها مع تاكايتشي في واشنطن في مارس الماضي.
إلا أن اليابان ليست الوحيدة في آسيا التي تشعر بالقلق إزاء التدخلات الأميركية الأخيرة، أولاً في فنزويلا ثم في الشرق الأوسط. ويُنظر إلى هذه التدخلات كدليل على انشغال الولايات المتحدة عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
كما ألحقت أزمة إيران أضراراً اقتصادية بالمنطقة بأسرها. فبالنسبة لليابان والفلبين، أبرز حلفاء واشنطن في آسيا، يرتبط ما يصل إلى 95% من وارداتهما من النفط الخام بمضيق هرمز. كما واجهت أستراليا، الشريك القوي الآخر، ارتفاعاً في الأسعار ونقصاً في الإمدادات، إذ يعتمد نحو 50% من صادراتها من الديزل بشكل غير مباشر على المضيق.
وقد زادت الحرب الأميركية ضد إيران من الضغوط المالية في آسيا، مما صعب على الحلفاء الإقليميين تلبية المطالب الأميركية بتحمل المزيد من أعباء الدفاع عن أنفسهم. دفعت أزمة الطاقة دولاً مثل الفلبين إلى إعادة التواصل مع الصين وروسيا لتجنب الانهيار الاقتصادي.
وتُثير تلك التطورات قلق طوكيو، لكن تاكايتشي يُدرك أن إظهار القدرات والنوايا لإدارة ترامب هو الخيار الأمثل للتعامل مع تلك الظروف الجيوسياسية المضطربة. وقد ارتفع الإنفاق على القوات المسلحة اليابانية، المعروفة باسم «قوات الدفاع الذاتي»، إلى ما يقارب 2% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما خصّصت وزارة الدفاع 9.8 مليار دولار لإدخال صواريخ بعيدة المدى، ونحو 640 مليون دولار للأصول غير المأهولة.
إلى جانب موقعها الجغرافي الأرخبيلي بالغ الأهمية الاستراتيجية، وتواجد أكثر من 50 ألف جندي أميركي على أراضيها، تُرسّخ اليابان مكانتها كشريك إقليمي لا غنى عنه للولايات المتحدة، وتُعزز في الوقت نفسه شبكة تحالفاتها مع دول أخرى تُساورها مخاوف من توجهات الصين لتغيير النظم القائمة.ويبقى أن نرى ما إذا كانت اليابان قادرة على استكمال تحولها الجيوسياسي. فيما يأمل المراقبون أن تتحلى تاكايتشي، التي تتخذ من مارغريت تاتشر قدوة لها، إرادة حديدية مماثلة لترسيخ التزام الولايات المتحدة بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة. فمع تزايد قدرات قوات الدفاع الذاتي اليابانية، ومكانة اليابان الدبلوماسية الرفيعة في آسيا، تبدو فرصها واعدة في تحقيق ذلك.
*أستاذ العلوم السياسية بجامعة جنوب كاليفورنيا.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد