هل تغيّر المضايق خرائط القوة؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لم تَعُد المضايق البحرية في لحظات التوتر الكبرى مجرد ممرات تعبرها السفن، بل تحوّلت إلى مرآة تكشف طبيعة التحولات في النظام الدولي، ومختبر يُعاد فيه اختبار موازين الردع والقوة. وما شهده الإقليم من تصعيد عند مضيقَي هرمز وباب المندب لم يكن حدثاً عابراً في سجلّ الأزمات، بل مناسبة كشفت أن الأمن البحري لم يَعُد ملفاً تقنياً يخص الأساطيلَ وحدَها، بل صار جزءاً من معادلة الاستقرار العالمي.
ومضيق هرمز ليس ممراً إقليمياً محدود الأثر، بل شرياناً تتقاطع فيه الطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي. ومن هنا، فإن أي تهديد لحركة الملاحة فيه لا يُقرأ باعتباره أزمةً محليةً، وإنما باعتباره اختباراً لقدرة النظام الدولي على حماية مصالحه الحيوية. والأمرُ ذاتُه ينسحب على باب المندب، الذي بات جزءاً مِن معادلة مترابطة تربط الخليجَ بالبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط في هندسة أمنية واحدة.
والجديد في هذه اللحظة ليس مجرد التهديدات، بل التحول في فهم معنى الأمن البحري نفسه. فالمقاربة القديمة كانت تقوم على تأمين المرور ومنع التعطيل، بينما تتجه المقاربةُ الجديدة إلى ما هو أبعد: بناء منظومة ردع تمنع أصلاً تحويلَ المضايق البحرية إلى أدواتِ ابتزاز أو أوراقِ ضغط. وهنا لا يتعلق الأمر بحماية ممر، بل بحماية مبدأ: أن التجارة الدولية لا ينبغي أن تكون رهينةَ الفوضى.
ومِن هذه الزاوية، برز تَطورٌ لافتٌ في المقاربة الأوروبية تجاه الخليج. لم يَعُد الخليج يُنظر إليه بوصفه خزانَ طاقة فحسب، بل باعتباره شريكاً في إنتاج الاستقرار، ومركزاً متقدماً في معادلة الأمن البحري. وهذا التحول له دلالته، إذ يَنقل العلاقةَ من منطق المصالح العابرة إلى منطق الشراكة الاستراتيجية.
وإذا كانت الأزماتُ تكشف حقائقَ القوة، فإن الأزمة الأخيرةَ أظهرت أن الردعَ لم يعد عسكرياً صرفاً، بل أصبح مركباً، يتداخل فيه الأمن البحري مع التكنولوجيا والاستخبارات وحماية البنية التحتية والطاقة. وهذا ما يفسر الانتقالَ من الحديث عن حماية السفن إلى الحديث عن حَوكمة الممرات.
 واللافت أيضاً أن التهديدات بإغلاق المضايق كشفت حدودَ هذا الخيار نفسه. فإغلاق الممرات الاستراتيجية ليس سلاحاً يمكن استخدامه دون كلفة، بل مقامرة ترتد أولاً على مَن يلوّح بها، لأن تعطيل هذه الشرايين يضر بالجميع، لكن أثره يرتد سريعاً على مَن يحاول توظيفه سياسياً أو عسكرياً. ولذا يبدو أن منطق «تسليح المضيق» يفقد فاعليتَه كلما تعاظمت إرادةُ المجتمع الدولي في منع ذلك.وفي هذا السياق، تتبلور ملامحُ مفهوم جديد للأمن: أمن يقوم على الشراكات لا على الاصطفافات، وعلى الوقاية لا على مجرد الاستجابة، وعلى جعل البحر مجالَ تعاون لا ساحةَ صراع. وهذه الرؤية ليست مثالية، بل تفرضها طبيعة الاقتصاد العالمي، حيث لم تَعُد الممرات البحرية تخص الدول المشاطئة وحدها، بل تمسّ مصالحَ العالَم بأسره.
وربما يكون الدرس الأهم أن الجغرافيا لم تَعُد وحدَها ما يحدد وظيفةَ المضايق، بل الإرادة السياسية القادرة على تحويلها من نقاط توتر إلى فضاءات استقرار. فالرهان لم يعد على مَن يملك القدرةَ على التهديد، بل على مَن يملك القدرةَ على حماية الانسياب العالمي للتجارة والطاقة.
 ولهذا لا يبدو السؤالُ اليومَ متعلقاً بما إذا كانت المضايق يمكن أن تُغلق، بل بما إذا كانت هذه الأزمات تدفع نحو نظام أمني بحري جديد، أكثر رسوخاً واتساعاً. وربما يكون ما نشهده ليس مجرد إدارة أزمة، بل بدايةَ انتقال من أمن الممرات إلى هندسة استقرار إقليمي ودولي أوسع.
وعند هذه النقطة يصبح السؤال مشروعاً: هل تغيّر المضايقُ خرائطَ القوة؟ ربما نعم، لكن ليس لأنها نقاط اختناق، بل لأنها باتت تكشف أين تتشكل مراكز الثقل الجديدة في العالم.


*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة



إقرأ المزيد