العجز التجاري.. يزيد الثروة الأميركية!
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

شهد الولايات المتحدة عجزاً تجارياً بشكل متواصل منذ عام 1976، بمعنى أن قيمة وارداتها تفوق صادراتها سنوياً. ويسعى الرئيس دونالد ترامب إلى إنهاء هذا الوضع، إذ يرى أن العجز التجاري يضر بالاقتصاد الأميركي ويبرر فرضَ رسوم جمركية طارئة. ولا يقتصر الأمر على الرئيس وحده، فقد صرّح الممثل التجاري الأميركي جيمسون جرير بأن العجز التجاري للبلاد يُعتبر «وضعاً غير مستدام وغير مقبول على الإطلاق». كما يؤكد بيتر نافارو، مستشار ترامب التجاري، أن استمرار العجز التجاري الكبير «يُسهل نمط تحويل الثروات إلى الخارج».

وكتب المستثمر الشهير وارن بافيت: «تتصرف بلادُنا كعائلة ثرية للغاية تمتلك مزرعة شاسعة. فلكي نستهلك أكثر بنسبة 4% مما ننتج، وهذا هو العجز التجاري، نبيع تدريجياً أجزاءَ من المزرعة ونزيد من أقساط الرهن العقاري على ما تبقى لدينا». ووصف أورين كاس، وهو من أبرز دعاة الحمائية المحافظة، العجزَ التجاري بأنه «تبادل للسلع مقابل الأصول» يمنح الأجانبَ «حقوقاً مستقبليةً في الاقتصاد الأميركي تشمل ديوناً عامة وشركات، وأسهماً، وعقارات تم تحويلها إلى الخارج». لكن لو كان العجز التجاري يستنزف ثروة البلاد فعلا، لكان متوسط صافي ثروة الأميركيين الحقيقية قد انخفض خلال نصف القرن الماضي.

إلا أن ما حدث هو العكس، إذ أنه ارتفع بشكل ملحوظ حتى بعد احتساب زيادة الدَّين الحكومي. ومقابل كل زيادة قدرها 100 مليار دولار في العجز التجاري منذ عام 1975، ارتفعت ثروة الأسر الأميركية بمعدل 76 ألف دولار. بل ارتفع متوسط صافي ثروة الأسر، بعد تعديله وفقاً للتضخم، من 336.508 دولاراً في عام 1975 إلى أكثر من مليون دولار حالياً. كما أن صافي ثروة الأسر أعلى بنسبة 140% مما كان عليه عند دخول اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية حيز التنفيذ عام 1994، وأعلى بنسبة 70% مما كان عليه عند انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001.

ولفهم السبب، ينبغي أولا إدراك أن العجز التجاري الأميركي يعكس ارتفاعَ الاستثمار داخل الولايات المتحدة، وليس بالضرورة استهلاكاً مفرطاً. ومن تلك الزاوية، فإن المتشددين في ملف التجارة على صواب نظرياً، إذ كان يمكن أن يكون العجز نتيجة عيش الأميركيين ببذخ ورهن مستقبل البلاد للأجانب.. إلا أنه بدلاً من ذلك، حصل الأجانب مقابل صادراتهم على دولارات تتيح لهم الوصول إلى الاقتصاد الأميركي الضخم والديناميكي.

فالاقتصاد الأميركي، بما يوفره من حقوقِ ملكية آمنة وسيادة قانون، يمثّل وجهةً يسعى المستثمرون من أنحاء العالم إلى المشاركة فيها.ومن الخطأ افتراض أن الأميركيين إذا باعوا أراضيهم أو أسهمهم أو مصانعهم أو غيرها من الأصول لأجانب، فإنهم سيخسرون ثرواتهم. فبفضل نمو رأس المال، يستطيع الأميركيون زيادة ملكيتهم للشركات وغيرها من الأصول الرأسمالية، تماماً كما يفعل الأجانب. صحيح أن مواطناً أميركياً يبيع أرضاً في تكساس لشركة «تويوتا» قد ينفق العائدات في موجة استهلاكية، لكنه يستطيع بدلاً من ذلك استثمار تلك العائدات بإطلاق مشروع جديد أو شراء حصص في شركات واعدة أخرى، بما يزيد من حجم رأس المال في البلاد. وعادة ما يختار الأميركيون المسارَ الثاني الأكثر مسؤولية.

كما يسهم الأجانب أيضاً في زيادة رأس المال الأميركي عندما يعيدون استثمارَ جزء من عائدات صادراتهم داخل الاقتصاد الوطني. وقد أسهم هذا الاستثمار في إنشاء مصانع أكثر وأفضل، وفي توسيع الإنفاق على البحث والتطوير، ورفع الأجور عبر زيادة تدريب العمال. وحتى الذين يشترون سندات الخزانة الأميركية يساهمون في خفض أسعار الفائدة، مما يجعل الاستثمارَ أسهل وأكثر جاذبية للأميركيين.

إن ثروة الولايات المتحدة لم تُستنزف على مدى 50 عاماً من العجز التجاري، ولم ترهن مستقبلَها للأجانب، بل على العكس، إذ أثّر هذا العجزُ إيجاباً بجلبه تريليونات الدولارات من رؤوس الأموال الاستثمارية الأجنبية إلى البلاد وزيادة ثرواتها، وتلك نتيجة اقتصادية تستحق الاحتفاء، لا الإدانة أو «التصحيح».

*أستاذ الاقتصاد في جامعة جورج ماسون.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
     



إقرأ المزيد