جريدة الإتحاد - 4/29/2026 11:50:06 PM - GMT (+4 )
هل بدأت تتشكل ملامح مُظلمة من السياسة المعادية للتكنولوجيا؟ خلال الشهر الجاري، أُلقيت زجاجة مولوتوف على منزل سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن ايه آي» (OpenAI)، في سان فرانسيسكو. وفرّ المشتبه به، ثم أُلقي القبض عليه في مقر الشركة، حيث كان يهدد بإحراق المبنى بالكامل، وفقاً للشرطة. وقبل ذلك بأيام، صرّح عضو في مجلس مدينة إنديانابوليس، كان يدعم إنشاء مركز بيانات، بأن شخصاً ما أطلق 13 رصاصةً على منزله وترك رسالةً كُتب عليها: «لا لمراكز البيانات». وتُجري جهاتُ إنفاذ القانون تحقيقاً في الحادث. كما تعرّضت سيارات الأجرة ذاتية القيادة للتخريب والهجوم من قبل حشود غاضبة.
وفي لحظات التغير التكنولوجي السريع، لا يكتفي البعضُ بمقاومة المستقبل، بل يسعون إلى ترهيب الأفراد والمؤسسات التي تتبناه. ويُشار إلى هذا النوع من رهاب التكنولوجيا عادة باسم «اللودية»، وهي حركة اجتماعية وثورية نشأت في إنجلترا خلال أوائل القرن الـ19، وقادها حرفيون مهرة احتجاجاً على إدخال الآلات الحديثة في الصناعات، بما هدّد مصادرَ رزقهم وأدى إلى تدني أجورهم. لكن اللوديين الأوائل لم يكونوا مجردَ كارهين للآلات. فقد نشأت الحركة لأن العمال العاديين شعروا بالتهميش. وتعتبر دراسةُ حركة اللوديين مفيدةً ليس لأنها تُبرر ثورات اليوم، بل لأنها تُساعد في فهم كيف يُمكن أن تتحول معارضة التكنولوجيا الجديدة إلى عنف وتدمير. ويستمد الناشطون المعاصرون دافعَهم من مخاوف اللوديين من أن التغيير التكنولوجي يتسارع بوتيرة تفوق قدرة السياسة على استيعابه.
ووُلدت اللودية عام 1811 في نوتنغهام بإنجلترا، وهي مركز لصناعة الدانتيل والجوارب. وكان الركود الاقتصادي في العام السابق قد ضغط على الأجور وقلّص الأسواق. وقد أخذت الحركة اسمها من قصة يُرجح أنها خيالية وصلت إلى نوتنغهام عن متدرب يُسمى «لود»، قيل إنه حطم آلةً بمطرقة في مصنع إثر توبيخه من أحد المشرفين. ثم قامت مجموعاتٌ غير منظمة نسبياً من «اللوديين» بتدمير آلات النسيج في ما لا يقل عن 100 حادثة مختلفة. وفي النهاية، نشرت الحكومةُ البريطانية قواتٍ عسكريةً في حملة قمع عنيفة. ولجأ العمال إلى التخريب، لأن التفاوض على الأجور كان قد مُنع فعلياً قبل ذلك بعقد. وخوفاً من أن تستورد النقابات العمالية روحَ الثورة الفرنسية، أصدر البرلمان قانوني التكتل لعامي 1799 و1800، ما يعني أن العمال لم يعد بإمكانهم التفاوض قانونياً على الأجور أو ساعات العمل أو حجم الإنتاج. وهكذا، أُغلقت إحدى القنوات الرئيسية للاعتراض على شروط التغيير الاقتصادي. ورداً على ذلك، لجأ بعض العمال إلى تدمير الآلات التي اعتقدوا أنها تُغير حياتَهم دون موافقتهم.
ويُنظر إلى حركة اللودية عادةً على أنها عقلية مناهضة للتكنولوجيا، ولكن من الأنسب فهمها كرد فعل على الفشل السياسي. فهي تبرز عندما يشعر الأفرادُ بأنهم مُستبعدون من صنع التغيير. وقد لجأ اللوديون إلى التخريب لأن المفاوضات أصبحت غير قانونية.
وتمتلك الولايات المتحدة قنواتٍ سياسيةً افتقرت إليها بريطانيا لدى ظهور اللوديون، إذ يمكن للمواطنين الأميركيين الاعتماد على الهيئات التشريعية والمحاكم والوكالات، سواء في الحكومة الفيدرالية أم في الولايات، لمعالجة تلك المشكلات.
لكن امتلاك الأدوات شيء والثقة في فعاليتها شيء آخر. وبحسب استطلاع رأي أجراه «مركز بيو للأبحاث»، فقد قال 44% فقط من البالغين في الولايات المتحدة إنهم يثقون في قدرة المؤسسات الأميركية على تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية، بينما عبّر 47% منهم عن عدم الثقة بالحكومة في ذلك.
وقد وصلت مشاعر القلق من التكنولوجيا إلى المستوى الفيدرالي، حيث يشكو البعض من عدم فعالية الرقابة الصحية على جميع المحلات في البلاد، كما يرى البعض أيضاً أن الذكاء الاصطناعي، الذي سيُحدث تحوّلاً جذرياً في العالم اقتصادياً واجتماعياً، غير خاضع لأي تنظيم.
والواقع أن القانون الحالي لحماية المستهلك تنفّذه الوكالات، والإجراءات التنفيذية التي اتخذتها ثلاث إدارات متتالية، تُنظم بالفعل استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن المؤكد أنها خاضعة للتنظيم. وعلاوة على ذلك، قدّم مشرعو الولايات أكثر من 1500 مشروع قانون يستهدف الذكاء الاصطناعي. وكان بعضها معقولاً، والبعض الآخر يسعى إلى عرقلة التقدم التكنولوجي بأي شكل. وفي ديسمبر الماضي، قدم أحد المشرعين في ولاية تينيسي مشروعَ قانون يُجرم تدريب روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بل ويُصنفها كجناية من الدرجة الأولى، مما يُعرّض مرتكبيها لعقوبة السجن لمدة لا تقل عن 15 عاماً. وفي العام الماضي، نظر المجلس التشريعي في كاليفورنيا في مشروع قانون لتنظيم استخدام جداول بيانات إكسل في الوكالات الحكومية. أما ولاية إلينوي، فسنّت قانوناً في أغسطس قد يُنظم تطبيقات التأمل بشكل غير متعمد في سياق محاولتها تنظيم منتجات الصحة النفسية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي.
ويكمن الخيار الحقيقي بين طريقتين لإدارة التغيير التكنولوجي، إحداهما تعتبر عدم الاعتياد على التكنولوجيا الجديدة مبرراً لإبطاء التقدم، أو حتى لحظر بعض التقنيات. أما الأخرى فتعتمد على تطبيق القوانين القائمة، وإضافة قواعد محددة عند الحاجة، والسماح للابتكار المفيد بالتوسع، أي أن الولايات المتحدة ستكون في وضع أفضل إذا قاومت نزعات اللوديين.
والواقع أن الولايات المتحدة تمتلك كل الأدوات اللازمة لاستيعاب التغيير، والاعتراض على شروطه، وتشكيل المستقبل.
*زميل بارز في «معهد أميركان إنتربرايز»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آتد سينديكيشن»
إقرأ المزيد


