جريدة الإتحاد - 5/4/2026 11:36:46 PM - GMT (+4 )
القرار الوطني هو انعكاس طبيعي لسيادة الدولة ونتيجة من نتائج قيامها. وتُمثّل كافةُ القرارات التي تتخذها دولةٌ ما السلطةَ المستقلة لتلك الدولة في تصريف شؤون شعبها وأرضها ومصالحها الوطنية بالصورة التي تراها مناسبةً. والاستقلال في وضع السياسات الداخلية والخارجية، والذي يصاحبه عدم التدخل في شؤون الآخرين، وبالتبعية عدم السماح للآخرين بالتدخل في شؤون تلك الدولة، هو ترجمة واقعية وحقيقية لسيادة الدولة ذاتها.
وللسيادة الوطنية مبادئ عديدةٌ تَرتكز عليها، أهمها على الإطلاق الاستقلال، أي التصرفُ بناءً على امتلاك السلطة الكاملة لاتخاذ القرارات، دون الخضوع لسلطة أي جهة، بجانب يقينها بمساواة جميع الدول أمام القانون الدولي. وأضف إلى ذلك ممارسة الدولة لسلطتها الداخلية، أي سيادتها على ترابها الوطني، بما يشمله ذلك من اتخاذ كافة القرارات الوطنية ورسم السياسات الداخلية من دون أي ضغوط وبإرادة حرة بشكل كامل. ويناقش العديدُ مِن علماء السياسة القرارَ الوطني باعتباره مظهراً له جذوره في مفاهيم السلطة الكاملة للدولة، واستقلالها الوطني، وقدرتها على الحفاظ على سلامة أرضها وحدودها الوطنية المعترف بها دولياً. ولذا تُعرَّف الدولةُ لدى هؤلاء العلماء بالكيان السياسي الذي يتمتع باستقلال كامل في إدارة شؤونه الداخلية والخارجية. ويحدّد علماءُ السياسة أيضاً مظاهرَ القرار الوطني لدولة من الدول، والتي تشمل على سبيل المثال مدى قدرة هذه الدولة على امتلاك السلطة النهائية والمطلقة والكاملة، التي تنبع من ممارسة الدولة لسيادتها من دون الاستجابة لأي ضغوط داخلية أو خارجية. كما تتضمن تلك المظاهر احتكارَ الدولة الاستخدامَ المشروعَ لقوتها وسلطتها داخل إقليمها، وترجمة ذلك إلى قدرة نهائية وعُليا وكاملة غير منقوصة للدولة على صنع القرارات واتخاذها، وممارسة السلطة القضائية الكاملة ضمن حدودها. كما تشمل مظاهرُ القرار الوطني حقَّ الدولة في صنع وتنفيذ كافة السياسات الاقتصادية التي تراها مناسبةً لها. إلا أن المظهرَ الأبرز والأهم من الناحية الاستراتيجية هو ذلك الخاصُّ بالسياسات الخارجية. فالدولة لها كامل الحق في رسم سياساتها الخارجية بما يتفق ومصالحها الوطنية. ويشمل ذلك التوقيع على الاتفاقيات الدولية، والانضمام إلى التحالفات أو إنشاء التحالف الخاص بها، ودعوة دول أخرى للانضمام لذلك التحالف بما يحققه مِن مصالحَ لأطرافه. وتندرج أيضاً ضمن هذا الإطار الخاص بمظاهر القرار الوطني في السياسة الخارجية، ممارسةُ الدولة لكامل حريتها في تغيير سياساتها الاقتصادية في حال ارتأت لذلك أهميةً استراتيجيةً تقضيها مصالحها الوطنية. ويشمل ذلك الدخول في أي تحالفات اقتصادية والخروج منها في حال تبدل الأوضاع الإقليمية أو الدولية.
وخلاصة القول هنا، هي أن صناعة القرار الوطني ومظاهر ممارسته هي أحد مباحث علم السياسة، وقد تناوله علماءُ السياسة منذ القدم، لكن تمّت صياغته وطرحه بأسلوب علمي في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وتحديداً منذ العام 1954. وقد تم ذلك بدايةً على يد علماء السياسة سنايدر وبروك وسابين.. الذين حوّلوا التركيزَ السائد وقتَها على الدولة، ككيان مجرد، إلى تركيز على تحليل صناعة القرار داخل الحكومات.
وعلى ضوء ذلك، فما قامت وتقوم به دولة الإمارات العربية المتحدة ليس إلا ممارسةً طبيعيةً لمظاهر قرارها الوطني المستند إلى مصالحها الوطنية الاستراتيجية، ويُنتَظَر مِن الآخرين أن يستوعبوا ذلك ويقدّروه.
*باحث إماراتي
إقرأ المزيد


