جريدة الإتحاد - 5/5/2026 12:58:34 AM - GMT (+4 )
حين ظهر لأول مرة الفنان «هاني شاكر» كمطرب للعلن في بداية السبعينيات، بعد ما قدم في السينما دور «سيد درويش» وهو صغير، وظهر ضمن كورال في أغنية عبدالحليم حافظ «بالأحضان» الذي كان سيد الساحة حينها، وله أنصاره، وهو محبوب في كل الوطن العربي، والفتى المدلل للثورة، وتخدمه كل أجهزتها، ظهور هاني في تلك الفترة التي لم تكن كلها عشباً أخضر، فبالإضافة لحضور عبد الحليم الطاغي، تزامن كذلك ظهور الغناء الشعبي، يتزعمه كظاهرة «أحمد عدوية»، وبداية انتشار الغناء الهابط والرخيص نتيجة بداية الانفتاح في مصر، وانقلاب الطبقات الاجتماعية فيها، واختلاف الأذواق السائدة، يومها حاربه «عبدالحليم»، واشتغلت الصحافة على ذلك وضده باعتباره نسخة جديدة من عبدالحليم، خاصة وأن عبدالحليم كان يصارع المرض، رغم تصالحهما فيما بعد، ومساندة عبد الحليم لهاني في مشواره الفني، واعترافه أن ذاك العداء صنعته الصحافة وسعيها للإثارة.
جاء هاني شاكر في ذاك الجو غير الصافية سمائه، لكنه فرض نفسه بأغنيات تعد علامات في مشواره الفني «كده برضه يا قمر» و«حلوة يا دنيا» و«سيبوني أحب»، الشاب صوته جميل وطربي، فقط تنقصه كاريزما الشخصية في ظل وحوش الفن الأسطوريين وقتها، تبناه الملحن محمد الموجي، وسانده الكثير من الفنانين الذين آمنوا بموهبته، مثل الملحنين؛ «بليغ حمدي» و«محمد سلطان»، وبدأ أكثر وثوقاً وصلابة قد لا يوحي به شكله الوسيم.
في البداية ولأنني من أنصار عبدالحليم حافظ، وتأثري بما يكتب عنه، لم أكن أميل له، لكن هذا لم يمنع أن أشتري شريطه الأول «كاسيت»، وأعيد سماع الأغاني التي فيه، حتى جاءت فرصة زيارتي لمصر لأول مرة عام 1978، حينها كنت طالباً في الثانوية مع كثير من الوعي، وكانت نيتي زيارتين واجبتين، الأولى زيارة قبر «جمال عبدالناصر» وزيارة قبر «عبدالحليم حافظ»، وبعدها سنحت لي فرصة حضور حفلة لذاك المطرب الشاب «هاني شاكر» في مسرح «البالون»، وهناك تعرفت عليه وجهاً لوجه، ولا زلت محتفظاً بصورة ذاك اللقاء، بعدها ظل هاني شاكر مختلفاً في الذاكرة، وقريباً للوجدان، ثم كبرنا معه كمطرب ظل يتجدد ويقدم الفن الكلاسيكي الجديد والراقي، وحتى حين قدم بعض أغاني عبدالحليم حافظ كنوع من رد الجميل قدمها بطريقة جديدة وممتعة.
في بداية عمله الفني أتعبته الصحافة، وأرهقته الشائعات، وفتت من عضده الكذبات والإساءات، لذا انطوى اجتماعياً، وبقيت حياته الشخصية بعيدة عن الأضواء، تزوج من «نهلة توفيق»، وأنجب ولداً يشبهه، وبنتاً تشبه أمها، هما «شريف ودينا»، «دينا» ستودعه صغيرة، وبطريقة مفاجئة لإصابتها بذاك المرض العضال، تاركة له حفيدين توأمين «مجدي ومليكة»، وشريف سيفرحه بحفيدة ستحمل اسم عمتها الراحلة «دينا».
كان هاني شاكر يجيد العزف على العود والبيانو، لقب بأمير الغناء العربي، وهو آخر ذلك العصر الذهبي الذي ولى، توفي بالأمس في باريس بعد معاناته من القولون عن عمر يناهز 74 عاماً.
هاني شاكر هو واحد من تلك الشخصيات التي ستفرح إن منحتك الحياة فرصة أن تكون مزامناً لوقتهم، وملازماً لسير حياتهم، له الرحمة والمغفرة والنُزل المبارك.
إقرأ المزيد


