نزار قبيلات يكتب: في تكريس الأمن اللغوي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

منذ أن انطلقت المدرسة اللسانية الحديثة التي ربطت اللغة بتداولها وسياقها الحيوي، وليس بمعياريتها الراسخة، والجدلُ ما انفك يدور حولَ موعد اللحظة التي ستنبت فيها اللغة عن جذرها وتنقطع عنه لصالح الاضمحلال أو التلاشي والإدماج في لغة أخرى، لقد ابتعدت بعض طروحات المدرسة اللسانية الحديثة كثيراً عن تلك الأطر والأُسس الثابتة التي رسّخت قبلاً القاعدة النحوية وأسس البنية الداخلية للجمل والكلمات والكلام، وأخذت تنظر للغة كظاهرة اجتماعية يجري فيها ما يجري في ظواهر اجتماعية مختلفة، لتبقى قابلة للتطور والتلون ما دام اللسان أداة الإنشاء والنطق يستجيب لمعطيات مجتمع اللسان الذي ينتمي إليه ويتمحور حوله، إذ اللغة عامل وحدوي للمجتمع وإنسانه، وعلامة دالة، بل ووسيلة تأثير وإقناع نافذة، إذ لم تُعد وظائف اللغة مقيّدة في وظيفة التواصل والاتصال وحسب، ولكي لا تكون كذلك صار لزاماً أن تكون اللغة مقرونة بالمنجز العلمي، وبحقوله قبل أن تكون في التواصل اليومي الروتيني. فما يُعلي من شأن العربية ويحميها هو تميزها المقرون بالإنجاز والابتكار، وليس فقط تدريسها وتصويبها والحثّ على استخدامها، بدلاً من استخدام لغات أجنبية كان وصولها لأبناء العربية بسبب المنجز العلمي والحداثي وليس بسبب تاريخية تلك اللغات أو جمالها، وعليه فإن حماية اللغة العربية لا تقوم في التقويم والتقييم وفي كونها محصورة في لغة البحث العلمي وبين أسوار المدارس والجامعات...، بل وبربط إنجاز مجتمعها التداولي بها، لتكون هي علامة ذلك المنجز والشاهد عليه والمؤثر الحقيقي لهذا التفوق.
فما تزال العربية تُوصف بأنها «لغتنا الجميلة»، وهي كذلك، لكنها وتبعاً لهذه النظرة الرومانسية تبقى مهددة لأن جمال اللغة وبيانه وحده لن يحفظ موقع هذه اللغة بين لغات العالم، ولن يصونها أيضاً، ذلك لأن سبب انتشار اللغات وذيوعها وتوسعها يبقى مقروناً بنجاحها وتفوّقها وليس بجذرها التاريخي وأصولها اللسانية ومدى رقعة انتشارها، فهناك لغات تعاني الازدواجية والثنائية اللغوية، رغم أنها تملك رقعة جغرافيا شاسعة، فالمساحة ليست المعيار هنا، بل منجز اللغة وتفوّقها العلمي والتقني والأخلاقي ما يصونها أولاً ويخرجها منتصرة في حرب اللغات التي ما انفكت تشتعل منذ نشوء حرف الكتابة ونقشه.



إقرأ المزيد