بنس منظِّراً في مبادئ المحافَظة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

افتتح السياسي الأميركي «الجمهوري» مايك بنس كتابَه الجديد، الصادر تحت عنوان «ما الذي يؤمن به المحافظون.. إعادة اكتشاف الضمير المحافظ»، بفقرة تختزل الرسالةَ الأساسية للكتاب بأكمله. فرغم خلافاته السياسية مع الرئيس دونالد ترامب، يؤكد بنس أنه ما زال فخوراً بسجل إدارة ترامب- بنس السابقة، ويرى أن إنجازات الولاية الأولى لترامب، حينما كان بنس يشغل منصب نائب الرئيس، هي التي مهدت الطريقَ لعودته إلى البيت الأبيض عام 2024. ويضيف أنه تابع تلك العودة من خارج المشهد السياسي بإعجاب بقدرة ترامب على تجاوز الأزمات والصمود أمام التحديات، وبفضول لمتابعة ما قد يحققه خلال ولاية جديدة تمتد لأربع سنوات أخرى.
لكن القول بأن العلاقة بين ترامب وبنس لم تصل لنهاية جيدة لا يعكس حجم المشكلة. فبنس، الذي انضم للحزب الجمهوري متأثراً بأفكار المحافظين التقليديين، مثل باري غولدووتر ورونالد ريغان، أجبر على ترك حزبه بعد رفضه محاولات إلغاء نتائج انتخابات 2020. وفي السادس من يناير 2021، وبينما كان الكونغرس يستعد للتصديق على نتائج الانتخابات، اقتحم أنصار ترامب مبنى الكابيتول، في محاولة لمنع انتقال السلطة، وردد بعضُهم هتافاتٍ تدعو إلى «إعدام بنس» بسبب رفضه الانصياعَ لضغوط ترامب.
ويُلخص ذلك التحولَ الجذري الذي أحدثه ترامب في الحركة المحافظة والحزب الجمهوري خلال العقد الماضي. فقد أصبح الحزب الآن قائماً على تمجيد شخصية معينة، حيث يؤمن أفراده بكل ما يؤمن به ترامب، مما يثير التساؤلَ عما كان يرتكز عليه الحزب في البداية وما تبقَّى منه الآن.
ويركز بنس في كتابه على المبادئ المحافظة الراسخة التي يرى أنها لا تزال وثيقةَ الصلة بالحزب الجمهوري، وحتى في مرحلة ما بعد ترامب سيكون لها صدى من جديد. كما يبرز كتابُه أفكارَ الحزب الجمهوري القديمة، مثل القيود المفروضة على الإجهاض، وتحقيق السلام بالقوة، والتجارة الحرة، وسيادة القانون، وحرية اختيار المدارس، وحقوق الوالدين، والحفاظ على شكل الأسرة التقليدية، والمباديء الفيدرالية، والتحضر، والأخلاق الحميدة، وكل ذلك مع اعتبار المسيحية والدستور مرجعاً أساسياً.
ويوضح بنس، الذي لم تستمر حملتُه الرئاسية السابقة سوى أربعة أشهر، أنه غير واثق مما إذا كان سيترشح لمنصب سياسي مرة أخرى. لكنه يطمح لأن يكون قائداً فكرياً محافظاً يُوجه الحزب الجمهوري بنجاح بعيداً عن النزعة الشعبوية. وهي مهمة ليست بالهينة، لاسيما أن بنس يمتلك شخصية هادئة ذات طابع محافظ تقليدي في عصر يتطلب حيوية وقوة.
وفي مؤشر على مدى الصعوبة التي يواجهها مشروعُ بنس لإحياء التيار المحافظ، أظهر استطلاعُ رأي جرى في يناير الماضي أن 35% من الأميركيين يصفون آراءَهم بأنها «محافظة للغاية» أو «محافظة»، مقارنةً بـ28% وصفوا آراءَهم بأنها «ليبرالية للغاية» أو «ليبرالية». ويُعد هذا الفارق البالغ سبع نقاط هو الأصغر منذ عام 1992.
ويُشير عنوان الكتاب إلى شخصية محافظة أخرى، ألا وهي باري غولد ووتر، مؤلف كتاب «ضمير المحافظ» الكلاسيكي الصادر عام 1960، والذي أسهم في إحياء الحركة المحافظة آنذاك. ويأمل بنس، الذي يرأس الآن مركزَ أبحاث يُدعى «النهوض بالحرية الأميركية»، أن يُحقق كتابُه وسجلُّه في الحكم خلال عمله حاكماً لولاية إنديانا، وعملُه بجانب ترامب، نفس التأثير.
ويُجادل بنس في كتابه بأن «الأميركيين في حيرة بشأن معنى أن يكون المرءُ محافظاً» بسبب ولاية ترامب الثانية، ويُقر بأنه يشعر بخيبة أمل وإحباط إزاء تبني ترامب للشعبوية اليمينية التي تُؤيد الحكومة المركزية. لكن إقناع الناخبين بهذا الرأي يُمثل تحدياً، وذلك نظراً لمحاولة بنس تلميعَ صورة ولاية ترامب الأولى، التي باتت اليوم ذكرى بعيدة. وبالفعل، يبدو بنس نفسُه وكأنه رجل من زمن آخر.وفيما يتعلق بالزخم المحيط بنائب الرئيس جيه دي فانس، بوصفه المرشح الأوفر حظاً في انتخابات 2028، قلل بنس من شأن تلك الاستطلاعات المبكرة، في ما بدا وكأنه انتقاد غير مباشر لفانس، الذي بات فوزه بترشيح الحزب أمراً غير مؤكد.
كما يرى بنس أن انتخابات 2028 ستُحدد هوية الحزب، قبل أن تُحدد هوية مرشحه. لكن هذا التصور الذي يُركز على الأفكار أولا لا يتناسب مع واقع السياسة الحالي الذي يُركز على الشخصيات.ويتضح من كتابه ومن مركز أبحاثه المتنامي أن بنس يتصور نفسَه في دور مؤثر، على غرار ريغان، في حقبة ما بعد ترامب. لكن هذا الأخير لا يزال صاحب اليد العليا الذي يحكم بقبضة قوية وعاطفية على الحزب الجمهوري. أما بنس، فرغم حسن نواياه، فإنه غير محبب لدى قاعدة الحزب المؤيدة لترامب. فهو ليس الشخص القادر على إعادة الحزب إلى جذوره. وكما كان يقول رئيس مجلس النواب السابق، جون بوينر، فإن القائد بلا أتباع ليس إلا رجلاً يجول في نزهة.


*كاتبة متخصصة في الحملات الانتخابية 


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند يسينديكيشن»



إقرأ المزيد