جريدة الإتحاد - 6/5/2026 10:48:49 PM - GMT (+4 )
تكشف التطورات الأخيرة في لبنان حقيقة بات من الصعب تجاهلها في الشرق الأوسط، فبينما تتفاوض إيران مع الولايات المتحدة والقوى الدولية دفاعاً عن مصالحها الوطنية وتسعى إلى رفع العقوبات وتثبيت نفوذها الإقليمي، تستمر الأذرع المرتبطة بها في عدد من الدول العربية بدفع شعوب تلك الدول إلى مواجهة أثمان باهظة من الحروب والدمار وعدم الاستقرار.
لبنان اليوم يمثّل النموذج الأوضح لهذه المعضلة. فالدولة اللبنانية تسعى إلى استعادة سيادتها الكاملة وإنهاء الحرب وإعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها، بينما ملف السلاح يظل خارج إطار الدولة يشكّل إحدى أكبر العقبات أمام تحقيق هذا الهدف. والأهم أن قطاعاً متزايداً من اللبنانيين، بمن فيهم أفراد من البيئة الحاضنة التقليدية لـ«حزب الله»، بدأ يتساءل عن جدوى استمرار ربط مستقبل لبنان بصراعات إقليمية تتجاوز مصالحه الوطنية.
لقد دفعت القرى والمدن اللبنانية ثمناً باهظاً خلال السنوات الماضية. آلاف الأسر عاشت النزوح والخوف، وتعرض الاقتصاد لمزيد من الضغوط، فيما باتت الأولوية بالنسبة إلى معظم اللبنانيين هي الاستقرار وفرص العمل وإعادة بناء الدولة، لا استمرار المواجهات المفتوحة. وهذا التحول في المزاج الشعبي لا يقتصر على لبنان وحده، بل يمكن ملاحظته بدرجات متفاوتة في العراق واليمن وسوريا، حيث تحملت الشعوب أعباء صراعات طويلة ارتبطت بحسابات إقليمية ودولية معقدة.
وفي المقابل، لم تكن دول الخليج بمنأى عن هذه التداعيات. فقد تعرضت خلال السنوات الماضية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت منشآت حيوية واقتصادية ومدنية، وهددت أمن المنطقة واستقرارها. كما صدرت تهديدات متكررة باستهداف مصادر الطاقة والممرات البحرية، الأمر الذي جعل دول الخليج تدرك أن استقرارها لا يمكن أن يبقى رهينة لمشاريع التوسع الإقليمي أو سياسات تصدير الأزمات.
المفارقة الكبرى أن إيران، عندما يتعلق الأمر بمصالحها الوطنية، تتصرف كدولة تبحث عن أمنها واستقرارها واقتصادها، وهو حق مشروع لأي دولة. لكن السؤال الذي تطرحه شعوب المنطقة اليوم هو: لماذا يُطلب من الآخرين دفع ثمن سياسات وصراعات لا تخدم بالضرورة مصالحهم الوطنية؟ ولماذا تتحول بعض الدول العربية إلى ساحات مواجهة فيما تبقى طهران منشغلة بالتفاوض على مستقبلها ومصالحها الخاصة؟
في الوقت نفسه، يواجه النظام الإيراني تحديات داخلية متزايدة، من ضغوط اقتصادية ومعيشية إلى مطالب اجتماعية وسياسية متصاعدة. وكان من الطبيعي أن يتوقع كثيرون أن تؤدي هذه التحديات إلى مراجعة شاملة للسياسات الإقليمية، إلا أن المنطقة مازالت تشهد استمرار الاعتماد على الأذرع والجماعات المسلحة كأداة لتحقيق النفوذ.
لقد أثبتت التجارب أن بناء النفوذ عبر السلاح قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه لا يبني استقراراً دائماً. فالدول تُبنى بالمؤسسات والتنمية والاقتصاد واحترام سيادة الآخرين، لا بتعدد مراكز القوة ولا بتصدير الأزمات إلى الجوار. كما أن الشعوب العربية التي عانت لعقود من الحروب والانقسامات باتت أكثر وعياً بحقيقة بسيطة: لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا كان ثمنه استنزاف الدولة وإضعافها.
ربما تكون اللحظة الراهنة فرصة لإعادة التفكير في مستقبل المنطقة بأسرها. فبعد سنوات من الصراعات، يبدو أن الشعوب أصبحت تبحث عن الدولة القوية، والاقتصاد المزدهر، والاستقرار المستدام. وهي أهداف لا تتحقق بالصواريخ والميليشيات، بل بالسيادة الوطنية والمؤسسات الفاعلة واحترام مصالح الشعوب قبل أي حسابات أخرى.
*لواء ركن طيار متقاعد
إقرأ المزيد


