المسيرات تغير أساليب القتال وليس طبيعة الحرب
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

على مدى العقد الماضي، شهد الجيش الأميركي تقليصاً أو حتى إلغاء للعديد من برامجه التقليدية للتحديث. فبعد سنوات من الحروب البرية في الشرق الأوسط، استنزفت جهود تعافي الجيش الأميركي وتمويل ميزانيته، رغم ضرورة استعداده لمواجهة خصوم يزدادون تقدماً على الصعيد التكنولوجي.
ويظل دعم الجيش الأميركي أمراً لا غنى عنه، إذ إنه يضطلع بدور محوري في تهيئة مسرح العمليات، حيث يوفر غالبية الخدمات اللوجستية للقوات المشتركة، وتوزيع الوقود، وشبكات الاتصالات. كما يُساعد في تأمين المجال الجوي والممرات البحرية لعمليات القوات العسكرية الأخرى.
وقد أثبت الجيش الأميركي أهميته خلال عملية «الغضب الملحمي»، عندما خاض «صاروخ الضربة الدقيقة» الأرضي أول تجربة قتالية له وحقق تأثيرات مدمرة. فمن خلال ضرب أهداف تقع على بعد مئات الأميال، وتشمل أنظمة الدفاع الجوي المعادية ومراكز قيادة، أظهر الجيش قدرات هجومية كانت تقتصر في السابق على الطائرات المحمولة على حاملات الطائرات أو صواريخ كروز التي تطلقها البحرية الأميركية.
ومع تخفيضات الميزانية التي شهدها العقد الماضي، اضطر الجيش الأميركي إلى الابتكار للتكيف مع متطلبات الحرب المعاصرة. وفي إطار تطوير الأسلحة والتدريبات، تبنى الجيش أنظمة غير مأهولة قادرة على استبدال الأفراد في الخطوط الأمامية. وبالاستفادة من تجربة حرب أوكرانيا وما يُعرف بالطائرات المسيرة الانتحارية «الكاميكازي»، يعمل الجيش على نشر هذه الذخائر المتسكعة وأدوات الاستطلاع حتى في أصغر وحداته.
وفي تدريبات حديثة، مثل «موجة البرق» و«لدغة اللبلاب» في وقت سابق من العام الحالي، استخدمت فرق الجيش مجموعات من الطائرات المسيرة ذاتية التشغيل لرسم خرائط مواقع العدو وتوجيه ضربات دقيقة. وتضمن التقنية الجديدة، التي تم اختبارها من خلال مبادرة «التحول أثناء المواجهة» لتحديث الجيش، قدرة كل سرية عسكرية على استخدام أنظمة أسلحة قادرة على المنافسة في ساحة المعركة الحديثة.
ومن دون القدرة على توفير الدعم اللوجستي على مستوى مسرح العمليات، والنيران بعيدة المدى، والقيادة والسيطرة للقوات المنتشرة، لا يستطيع الجيش الأميركي خوض عملية قتالية كبرى، فضلاً عن تحقيق النصر. ورغم انتهاء عمليات الانتشار واسعة النطاق في العراق وأفغانستان، اضطلعت وحدات الجيش بمهام إضافية على الحدود الجنوبية للبلاد، ودربت وجهزت الأوكرانيين للدفاع عن الجناح الشرقي لأوروبا، ومؤخراً، قدمت دعماً نارياً مكثفاً للحملة الأميركية في إيران. وتستمر تلك العمليات، حتى مع تحديث أنظمة أسلحة الجيش الرئيسية وتشكيلاته القتالية لمواكبة المستجدات التكنولوجية والجيوسياسية.
ولا تزال محدودية الموارد تعيق قدرات الجيش وكفاءته وسرعة إنجازه. فخلال إدارة بايدن، انخفضت الميزانية الأساسية للجيش بنحو 10% بالقيمة الحقيقية، وفشلت القوات المسلحة في تحقيق أهداف التجنيد لسنوات. ورغم تخفيف التمويل المرحب به بعد عودة الرئيس دونالد ترامب إلى منصبه، لا يزال الجيش متخلفاً عن غيره من القوات المسلحة من حيث الحجم مقارنة بالميزانية الأساسية، لا سيما في المجالات الحيوية لشراء الأسلحة وتحديثها.
ومع ذلك، تعمل قيادة الجيش، بقيادة الوزير دان دريسكول ونائبه مايك أوبادال، على استغلال الموارد المتاحة لديها لإعادة تشكيل نموذج عمل الجيش وأنظمة تسليحه الرئيسية. كما أن أولويات التحديث التي وُضعت خلال الولاية الأولى لترامب بدأت الآن تصل إلى مرحلة النضج العملياتي.
فالإصدارات البرية من صواريخ «توماهوك» وصواريخ سلسلة «إس إم» ستمنح القادة العسكريين خيارات هجومية لا تعتمد على السيطرة الكاملة جواً أو بحراً. ومن بين جميع التدريبات العسكرية الأميركية، كان نشر الجيش لهذه الصواريخ وإطلاقها في الفلبين هو الحدث الذي أثار أشد الاحتجاجات من جانب الحكومة الصينية.
ومع تطوير الجيش لأنظمة القتال، يجب أن تكون المحصلة النهائية أكبر من مجموع أجزائها. ويُعد نظام القيادة والسيطرة من الجيل التالي بمثابة حلقة الوصل، إذ تم تطويره بالتعاون مع قطاع البرمجيات التجارية، وهو عبارة عن طبقة بيانات مستقلة عن نوع الأجهزة، مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتُمكن قائد الفرقة من رؤية ساحة المعركة من خلال واجهة واحدة، تجمع بين بيانات الطائرات المسيرة وعمليات الحرب الإلكترونية واللوجستيات في الوقت الحقيقي.
وتتغير طبيعة الحرب بفعل التكنولوجيا، لكن جوهرها يبقى ثابتاً. فالحدود والسكان لا يزالون ذوي أهمية بالغة، وكذلك تنسيق إطلاق النيران والمناورات والإمداد اللوجستي. ولتحقيق إمكانات مبادرات الجيش، يجب على وزارة الدفاع والكونجرس إعطاء الأولوية لاستثمارات الجيش ودعم القادة لمواجهة العقبات، سواء كانت مالية أو بيروقراطية أو سياسية. فالوقائع التاريخية واضحة: فمرة تلو أخرى أعلنت الولايات المتحدة أنها لن تخوض مجدداً حروباً برية واسعة النطاق، لكنها وجدت نفسها في كل مرة غير مستعدة للحملة البرية التالية.

 

رايان دي. مكارثي*
*وزير الجيش الأميركي الـ 24 خلال الفترة بين 2019 و2021. عمل سابقاً نائباً لوزير الجيش، وشغل مناصب تنفيذية في شركة «لوكهيد مارتن»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد