الاستيلاء الميليشياوي والمَخرج الصعب!
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

للمرة الخامسة يلتقي الوفد اللبناني بالوفد الإسرائيلي في وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن. وقد اعتادت إسرائيل على تعظيم الهجمات على لبنان قبل كل لقاءٍ بين الوفدين. وهذه المرة، وقد تجاوزت الهجمات كلّ حدّ وجرى التهديد من جانب إسرائيل بالهجوم على ضاحية بيروت إذا هاجم «حزب الله» المستوطنات الإسرائيلية على الحدود مع لبنان، تدخَّل رئيس الجمهورية لدى الأميركيين لإيقاف الهجمات المدمِّرة لكي يستطيع لبنانُ الاستمرارَ في التفاوض. وقد تلقّى ترامب وعداً من نتنياهو، بعد لأْي، بعدم ضرب الضاحية، مقابل وعدٍ من «حزب الله» بعدم الهجوم على قرى الحدود.
    توقّف الكلام والضجيج الإعلامي يومي الثلاثاء والأربعاء (2 و3 يونيو)، لكنه عاد يوم الخميس (4 يونيو) إلى حدود الهياج. فقد صدر بيان بنتائج المحادثات وفيه إقرارٌ بنزع سلاح الحزب، وأنّ الإسرائيليين ينسحبون تدريجياً من القرى المحتلة ويحلُّ محلَّهم فوراً الجيش اللبناني، ويبقى الجيش الإسرائيلي قادراً على التدخل إذا عاد «حزب الله» إلى تلك المناطق. في البداية كان الحزبيون وأنصارُهم راضين أنه جرى الاتصال بإيران وبالحزب، وبدأوا يشكرون إيران على المساعدة في وقف النار والانسحاب! لكن بعد أن صدر الإعلان من واشنطن، وانسحب الجيش الإسرائيلي من قرية دبين بشمال الليطاني، عاد الحزب والإيرانيون للهياج، فصدر بيان عن الأمين العام للحزب، وآخر عن الحرس الثوري برفض الاتفاق. وقال الحزب إنه لم يتعهد بوقف الهجمات!
    لماذا نذكر هذه التفاصيل؟ لأنّ ما حصل عليه لبنان بشأن وقف النار والانسحاب التدريجي هو أقصى ما يمكن الحصول عليه بالفعل. فقد انسحب الإسرائيليون مراراً منذ عام 2000 وعاد الحزب للتحرش بهم منذ عام 2006 فعادوا للهجوم والاحتلال. ومنذ القرار الدولي رقم 1701 لعام 2006 هناك قوات دولية لمساندة الجيش اللبناني الذي دخل يومها لمنطقة جنوب الليطاني. بيد أنّ ذلك لم يَفِدْ كثيراً لأنّ شبكات «حزب الله» وأنفاقه بقيت بالمنطقة رغم وجود القوات الدولية ووجود الجيش. وكان الحزب يضرب عندما تطلب ذلك منه إيران، كما فعلت عام 2023 لمساندة «حماس»، وعام 2026 للثأر للخامنئي. 
    التوغل الإسرائيلي هذا العام هو الأعمق والأكثر قتلاً وتخريباً منذ عام 1982. فقد سقط حتى الآن ثلاثة آلاف وخمسمائة قتيل، و11 ألف جريح، وتهجَّر مليون ومائتا ألف من سكان ستين قرية وبلدات كبرى مثل الخيام وبنت جبيل وصور والنبطية، وصارت الحكومة اللبنانية ورئيس الجمهورية في محنة. فقد اتخذوا قرارات بحصرية السلاح، وبأن سلاح الحزب غير شرعي، وسُرّ منهم الأميركيون، لكنهم ما استطاعوا إنفاذَ قراراتِهم وظلّ سياسيو كل من «حزب الله» وحركة «أمل»، وعسكريوهم أيضاً، يهاجمون رئيسَي الجمهورية والحكومة ويقصفون إسرائيلَ فتجيبهم بالمزيد من القتل والاجتياح والتهجير. 
    في محاولات السلطات اللبنانية لإثبات الجدية والفعالية مضت نحو التفاوض المباشر مع إسرائيل، رغم رفض الحزب والحركة وبعض السياسيين الآخرين. وبعد جهدٍ جهيد تم التوصل إلى هذه النتيجة المتواضعة، والتي يقتضي إنفاذُ مُخرجاتها التنسيقَ الدائم بين العسكريين من الطرفين، والضمانة الأميركية للإسرائيليين أنها ستساعد الجيش اللبناني والحكومة للتمكن من تقوية مصداقيتها تجاه إسرائيل. إنما ماذا يحصل إذا عاد الحزب للتحرش، وبخاصةٍ أنّ إسرائيل ما تزال تُغير لكنْ على الجنوب والبقاع فقط دون بيروت والضاحية؟! إذا زادت غارات الحزب فإنّ أميركا ستسمح لإسرائيل باحتياجاتٍ جديدةٍ أفظع، وعندها قد تسقط الحكومة اللبنانية تحت وطأة العجز والاستعصاء. لكنّ أمل البعض أن إيران لن تطلب من الحزب التصعيد، لأنها هي بدورها تتفاوض مع أميركا، فلماذا تستطيع ذلك ولا يستطيع لبنان؟ 
    حصل لبنان إذن على وقفٍ هشٍّ للنار قد لا يثبت، كما أن البلاد لا تستطيع الصمود على هذه الحال. وبسبب ولاء الميليشيا لإيران قد يصل لبنان، وسط هذه العزلة وهذا الانهيار، إلى وضعٍ لم يعرفه من قبل!


*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية



إقرأ المزيد