جريدة الإتحاد - 6/7/2026 12:02:27 AM - GMT (+4 )
مما لا شك فيه أن تحسين المنظومة الصحية يمثّل أولوية قصوى بالنسبة للدول الخليجية، كما يتضح جلياً من سياساتها على أرض الواقع وما أثمرته على مدى العقود الأخيرة من توسُّع وتطورٍ في هذا المجال يكاد يكون بلا نظير في مختلف أنحاء العالم، بما فيه الدول الصناعية الكُبرى ذات التاريخ العريق في مجال الخدمة الطبية العمومية.
هناك تغيرات نوعية كبيرة عرفتها وتعرفها المنظومات الصحية الخليجية، وهو الأمر الذي جعل من الخدمات الصحية أحدَ أبرز مظاهر التطور والتنمية اللذين أحرزتهما دولُ مجلس التعاون الخليجي خلال هذه العقود الأخيرة من تاريخها. وقد أولت دول الخليج العربية اهتماماً بالغاً ببناء منظومة صحية فعّالة ومتطورة تقوم على أحدث المعايير الدولية في هذا المجال، وذلك بغية ضمان تقديم أفضل نوع من الرعاية الصحية لمواطنيها وللمقيمين فيها. كما عملت هذه الدول على تعزيز قدرة منظوماتها الصحية لمواجهة كافة الظروف أياً كان نوعها.
ويُعتبر الاستثمار في المنظومة الصحية ضمن أهم الركائز الأساسية في خطط التنمية بالنسبة لدول الخليج العربية، حيث اشتملت هذه الخطط على تخصيص ميزانيات كبيرة لتطوير المستشفيات والمراكز الصحية، وتزويدها بأحدث الأجهزة الطبية والتقنيات المتقدمة. وهذا علاوة على التوسع في إنشاء أحدث المستويات والمراكز الصحية وأكثرها كفاءة، بالإضافة إلى التركيز على العناية بالكادر البشري، الفني والإداري، العامل في هذه المستشفيات والمراكز الصحية، واختياره وفق أعلى معايير الكفاءة والجدارة والمهارة. وهو الأمر الذي ساهم في رفع مستوى الخدمات الصحية بشكل ملحوظ للغاية في هذه الدول، حتى أصبح العديد منها قِبلة جاذبة لما أصبح يسمى «السياحة العلاجية».
وبطبيعة الحال فقد انعكس هذا التطور الهائل في الميدان الطبي والعلاجي بشكل مباشر على جودة الحياة في دول الخليج العربية، حيث ارتفع متوسط العمر المتوقع لسكانها، كما تحسّنت مؤشرات الصحة العامة فيها، وانخفضت معدلات بعض الأمراض بفضل برامج الوقاية والتوعية الصحية وجودة العلاجات وخدمات الطبابة. كما ساهمت الحملات الوطنية للتطعيم والفحص المبكر في الحدّ من انتشار العديد من الأمراض، وفي تعزيز مفهوم الرعاية الصحية الوقائية، بدلاً من التركيز على الرعاية العلاجية فقط.
ومن أبرز مظاهر النجاح في القطاع الصحي الخليجي، القدرة على التعامل مع الأزمات الصحية الكبرى بكفاءة عالية، ورفع كفاءة عمليات الصحة العامة، مما ساهم في حماية المجتمع.
كما لعب التحول الرقمي الذي شهدته هذه الدول دوراً مهماً في تطوير وتحسين الخدمات الصحية وتقريبها من السكان، حيث تم إدخال الأنظمة الإلكترونية في إدارة الملفات الطبية، وحجز المواعيد، والاستشارات الطبية عن بُعد.. إلخ، الأمر الذي سهّل على المرضى الوصولَ إلى الخدمات الصحية بسرعة وكفاءة عاليتين. وقد ساهم هذا التحول في تحسين تجربة المريض وتوفير وقته، وفي تقليل الضغط على المرافق الصحية التقليدية.
وفي إطار تعزيز كفاءة الخدمات الطبية، حرصت دول الخليج العربية على تطوير قدرات الأفراد العاملين من أبناء الوطن في المجال الصحي وتحسين كفاءتهم باستمرار، وذلك من خلال دورات الابتعاث الخارجي والتدريب المستمر واستقطاب الخبرات العالمية، مما ساهم في رفع مستوى الأداء الطبي داخل المستشفيات والمراكز الصحية الخليجية.
ولهذا أصبحت العديدُ من المستشفيات الخليجية وجهةً إقليمية للعلاج، نظراً لجودة الخدمات والتقنيات المتقدمة المتوفرة في هذه المستشفيات. ولا يمكن إغفال دور القطاع الخاص في دعم المنظومة الصحية، حيث ساهم في إنشاء مستشفيات ومراكز طبية متطورة، وعزّز من التنافسية في تقديم خدمات صحية ذات جودة عالية. كما ساعدت الشراكة بين القطاعين العام والخاص في توسيع نطاق الخدمات وتحسين مستواها.
وهكذا، فإن نجاح دول الخليج العربية في تطوير القطاع الصحي يعكس رؤيةً استراتيجيةً واضحةً تهدف إلى بناء أنظمة صحية مستدامة قادرة على مواكبة التحديات المستقبلية. وفي ظل استمرار هذا التحسين المتواصل لمنظومة الرعاية الصحية في دول الخليج العربية، تتجه هذه المنظومة نحو مزيد من الابتكار والفعالية والتطور.
*كاتب كويتي
إقرأ المزيد


