جريدة الإتحاد - 6/7/2026 11:55:36 PM - GMT (+4 )
تنعكس الاضطرابات الجيوسياسية على الأسواق المالية، مع امتداد أثر الاضطرابات إلى قطاعات غير حربية، نتيجة لحالة عدم اليقين من النتائج والتداعيات، والعملات المشفّرة، كأصول عالية المخاطر، شهدت منذ بداية الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران تقلّبات حادة، وتأثرت العملات بالضغط على الأصول في مؤشر على هشاشة العملات المشفّرة أمام الأحداث الدولية.
وقد ساعد ارتفاع أسعار الطاقة، بعد إغلاق مضيق هرمز، في زيادة تكاليف تعدين العملات، ليزيد الضغط على السوق أكثر، إضافةً إلى تراجع ثقة المستثمرين بالعملات المشفّرة وقت الاضطرابات، ولهذا بحثوا عن أصول أقل في المخاطر للتحوّط في محافظهم المالية، ما يشكّك في الفرضية القائلة إن العملات المشفّرة ملاذ آمن في أوقات الأزمات المالية والجيوسياسية، إذ لم تستفِد العملات الرقمية والمشفّرة من الاضطرابات الجيوسياسية الحالية، ولا لجأ إليها المستثمرون كأداة تحوّط ضدّ التضخم، بل على العكس من ذلك، تدفّقت السيولة نحو شركات الرقائق والذكاء الاصطناعي.
وتحوّلت العملات المشفّرة إلى ورقة في الصراع الأميركي-الإيراني، مع فرض الولايات المتحدة عقوبات على «نوبيتكس»، أكبر منصّة إيرانية لتداول العملات المشفّرة، لتمكينها الحكومةَ الإيرانية والمؤسّساتِ المدرجة على القائمة السوداء من الالتفاف على العقوبات، إذ صارت أداة ناجعة في نظام مالي موازٍ لتنفيذ معاملات لصالح البنك المركزي الإيراني وقوات الحرس الثوري، وتحويل الثروات إلى خارج البلاد بطرق خارج الرقابة التقليدية.
وترتبط شركة «نوبيتكس» (نحو 70% من معاملات التشفير في إيران) بعلاقات وثيقة بالقيادة الإيرانية (تحقيق لوكالة «رويترز»)، فيما تمكنت الشركة من أداء أدوار بالنيابة عن المؤسّسات الحكومية في حماية الأصول ونقل الأموال، وحتى التبادل التجاري أثناء القتال في الحرب، ونتيجة لهذه المعلومات، قرّرت الخزانة الأميركية مصادرة أصول رقمية مشفّرة مرتبطة بإيران تبلغ قيمتها نحو مليار دولار، في إطار تعقّب ومراقبة تدفقات العملات الرقمية الخاضعة للعقوبات، وقد امتدّت العقوبات الأميركية إلى منصات «والكس»، ثاني أكبر بورصة للعملات الرقمية في إيران (نحو 12% من تدفّقات الأصول الرقمية الإيرانية)، و«رامزينكس»، وذلك لمعالجة معاملات مرتبطة بالحرس الثوري.
وتتعرّض العملات المشفّرة لضغوط بيعيّة مع نزف الصناديق الاستثمارية المرتبطة بها، لكن لا تنطبق هذه القاعدة على جميع العملات، إذ قفزت عملة «هايب» 180% منذ بداية 2026 لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 75.5 دولار، وفي عموم السوق تتراجع المخاطرة، إذ سجّلت صناديق «بيتكوين» المتداولة في البورصة الأميركية خروج صافي رؤوس أموال بنحو 3.4 مليار دولار منذ مايو 2026، وخسرت صناديق «الإيثريوم» نحو 674 مليون دولار.
لقد أضحى المستثمرون أقل مخاطرةً في سوق العملات المشفّرة وقت الاضطرابات الجيوسياسية، إذ يتجه المستثمرون في الغالب إلى المشاريع التي تمتلك نماذج أعمال واضحة ومصادر دخل قابلة للقياس أو للتكنولوجيا المتقدّمة ذات الوعود البرّاقة، التي يُتوقَّع أن تهيمن مستقبلاً على باقي القطاعات، كالذكاء الاصطناعي، ما يعني أن سوق العملات المشفّرة يُعاد تقييمه بناء على الإيرادات والأداء المالي، وليس الرهانات التقليدية، كما في السنوات الأولى من انطلاقة العملات المشفرة.
وقديماً، أسهمت الاضطرابات الجيوسياسية في إنعاش الطلب من جانب الأفراد والمؤسّسات على العملات المشفّرة، كملاذ استثماري سريع النمو، ولا يزال يُستخدَم كأداة للتهرّب، إذ يوفر بديلاً للصفقات والعمليات التجارية خارج أُطُر النظام المالي التقليدي، ولذا يبدو أنّنا بحاجة إلى أسس جديدة في النظام المالي العالمي لضمان خضوع حركة العملات المشفّرة للرقابة.
إن الرقابة باتت ضرورية في متابعة التحويلات الرقمية والعملات المشفّرة مع المخاوف من استخدامها في التحويلات غير القانونية عبر الحدود، أما صعود السوق وهبوطه، فقد بات الأمر يرتبط بتقييم اقتصادي واضح أكثر من التوقعات مع ظهور تكنولوجيات جديدة قادرة على جذب اهتمامات المستثمرين.
*باحثة ومديرة إدارة النشر العلمي - مركز تريندز للبحوث والاستشارات.
إقرأ المزيد


