ادغار مورين ونهاية المثقف
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

قبل سنوات التقيت إدغار مورين، الذي رحل مؤخراً، في إحدى المدن الإسبانية الأندلسية خلال مؤتمر فكري. كان الرجل قد اقتراب من سن المائة، وإن كان في كامل صحته ولياقته العقلية. وقد تطرّق الحديث لمشاركته في نهاية الثلاثينيات في الحرب الإسبانية ضد اليمين الراديكالي، وفي الحرب العالمية الثانية ضد النازية، ونضالاته المستمرة من أجل القضايا الدولية العادلة. وهكذا بدا لي العجوز الودود الهادئ صوتاً من الماضي، يمثّل جيل المثقفين الذي أبدعته فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر بالارتباط مع قضية درايفوس الشهيرة.

لم يكن مورين فيلسوفاً محترفاً، ولا تعكس كتاباته الغزيرة إبداعاً نظرياً في المفاهيم والرؤى والتصورات الفلسفية، رغم اطّلاعه الجيد على الكتابات الفلسفية، ومشاركته الفاعلة في النقاشات الفكرية لفلاسفة عصره. ومع أنه قام بدراسات كثيرة في المجال الاجتماعي، بحثاً وتأويلاً، فإنه لم يكن عالم اجتماع بالمعنى الدقيق للعبارة، فأعماله تجمع بين المقاربة الموضوعية الجدية والمواقف النضالية الملتزمة.

المقولة التي تُلخّص فكر مورين هي عبارة «التعقيد المركب» التي اختارها عنواناً لأعماله المنشورة، وهي تعني لديه ضرورة الخروج من التبسيطات السهلة، والأفكار السائدة، والنظريات الرائجة، من أجل فهم الواقع في أبعاده المختلفة المتشابكة، بما يفرض الخروجَ من ضيق التخصص ومسالك البداهة الزائفة.

وكان في هذا التصور، يستجيب لخصائص المثقف التقليدية التي يمكن حصرها في سمات أربع كبرى هي: النزعة الإنسانية التي توجّه المواقف العملية والسلوك الملتزم ولا ترى في النظريات والأفكار سوى موجِّهات للفعل والممارسة، والكتابة الأدبية النقدية التي تدخل في باب ما عُرف في الثقافة الفرنسية بالمعالجات (وهي أسلوب يجمع بين النظر التحليلي وجمالية التعبير)، والمقاربة الشمولية التي لا تكتفي بزوايا النظر المتخصصة، بل ترصد الموضوعات في أبعادها المتنوعة المتداخلة، والخلفية الأخلاقية القوية في المواقف من قضايا الساعة والملفات الاجتماعية المطروحة.

لقد بدأت الوجوه الأولى لهذا النموذج خلال فكر الأنوار الأوروبي في القرن الثامن عشر، الذي أخذ في فرنسا شكل الإصلاح الثقافي والاجتماعي، في مقابل التنوير الألماني المتمحور حول الإصلاح الديني، والتنوير الاسكتلندي الذي ركّز على الإصلاح السياسي والمؤسّسي.

في ألمانيا، ظل التنوير فلسفياً خالصاً، وقد عبّرت عنه رؤية كانط لنقد العقل واستخدامه العمومي، وفي بريطانيا أفضت التطورات الداخلية إلى إحداث الإصلاحات السياسية المتدرجة التي ضمنت تغيير مؤسسات الحكم دون هزات عنيفة، أما فرنسا فعرفت الثورة الحادة التي قلبت موازين الحياة العامة في مختلف جوانبها. كان ثوار باريس يحملون مسؤوليةَ الأحداث للمثقفين الفلاسفة، من أمثال فولتير وروسو، الذين حملوا لواء التغيير البنيوي الجارف الذي شهدته البلاد.

وقد أبدعت الثقافة الفرنسية نمطي الكتابة الأدبية الفلسفية التي كان فولتير مثالَها الأول، والكتابة الصحافية التي اشتهرت على يد الروائي الكاتب أميل زولا في قضية درايفوس التي تمّت الإشارة إليها آنفاً. وبعد الحرب العالمية الثانية، أصبح جان بول سارتر نموذج المثقف في مواقفه الفلسفية الإنسانية ودفاعه عن قيم الالتزام الأدبي.

لم يمارس سارتر التدريس في الجامعة، رغم أعماله الفلسفية التي أثَّرت في مجرى التفكير الفلسفي الكوني، مثل «الوجود والعدم»، وما شاع وانتشر من كتاباته هو رواياته ومسرحياته، مثل «الذباب» و«الغثيان» و«الكلمات».. إلخ.

في الستينيات كان الشعار السائد في أوساط اليسار هو «من الأفضل أن تكون على باطل مع سارتر من أن تكون على حق مع ريمون آرون». ولا شك في أن هذا الشعار يترجم صورةَ المثقف في تلك المرحلة التي سيطر فيها اليسارُ على الجامعات وعلى الحياة السياسية، وقد أصدر فيها آرون كتابَه «أفيون المثقفين» الذي نقد فيه الأيديولوجيا الماركسية التي كانت مسيطرةً أوانها على جل المثقفين الفرنسيين. ومنذ نهاية الستينيات، بدأ مفهوم المثقف في التراجع في فرنسا، مهد نشأته، وكان وقتها ميشال فوكو ينتقد بشدة سارتر في نزعته الإنسانية ويتبنّى مفهوم «المثقف الخصوصي» الذي يمارس مسؤوليته البحثية من منظور توثيقي حفري لا مجال فيه للمثاليات الأخلاقية والتصورات الوجودية الشاملة.

مورين بقي على خط المثقف التقليدي، رغم انتقال الثقافة الفرنسية إلى المسالك البنيوية والتفكيكية مع إعلان فوكو «موت الإنسان» وحديث دريدا عن «نهاية المؤلف». لم يكن يصدر عن خط نضالي أيديولوجي مبسّط، إلا أنه ظل وفياً لجوهر الرسالة الأخلاقية للمثقف من حيث هو صوت الحق وضمير العدالة.

*أكاديمي موريتاني
     



إقرأ المزيد