جريدة الإتحاد - 6/8/2026 12:18:19 AM - GMT (+4 )
نحتاج إلى اليقين، كي ينقذنا من الشك، بعض الوجوه لا يمكنك تصديق أنها صالحة للزمان، فهي منذ وقت مضى غرقت في الابتسامة الصفراء. فنحن نحتاج إلى اليقين كي ينقذنا من الشك في هذه الوجوه التي استمرأت الخداع، ونمت وترعرعت على سجادة الكذب، وصارت في الحياة مثل حرباء تُلون نفسها كي تُخفي ما فاضت به من خبث، وحنث، نحتاج إلى اليقين، ولكنه ليس يقيناً أعمى كما تنتهجه تلك الوجوه التي دأبت على الإصرار بأنها تملك اليقين، كما تملك الغيمة المطر، ولكننا عندما نجلس أمام الغيمة، ونتأمل وجهها، نكتشف الخدعة البصرية، التي تنتحلها، وتسير على هديها، وتنتمي إليها من العظم حتى النخاع.
ما العمل، ونحن نعيش على ضفة خليج تعلّم أبناؤه من موجته الحب، والصبر، والوفاء، بينما الآخر يعجّ بموجة من البغضاء، وتفيض قريحته بالكراهية لكل ما هو جميل؟! ونقول: ما ذنبنا نحن إذا كانت ديارنا حدائق غنّاء يهيم فيها الطير، كما يتغنّى بها كل إنسان على هذه الأرض، ما ذنبنا إذا كان غيرنا يسفّ، وينسف الحقائق، ويحلم بالقوة العظمى، فيُسرف ويبذر، ويهدر خيرات الشعوب، لكي يصير ما حلم به كاهن، أو مشعوذ؟!
هذه الأوهام لا دخل لأبناء الخليج العربي بها، فهم براء من دم شعبٍ أراد واهمٌ ومتفاقمٌ أن يصبح دولة عظمى، فإذا به يبيع الغالي والنفيس جراء وهم طغى على مخيلته، ولم يصح بعد، ولن يصحو، لأن العقل أصبح قطعة بلاستيكية. ولم يزل كهنة القيم البالية يسردون التاريخ من حيث وصلت إليه مخيلة مريضة، تعاني من أنيميا سياسية، ويقبض على أفئدتهم عصاب قهري، لا يدعهم ينامون إلا على صراخ الجوعى، واليتامى، والثكالى، والأرامل، والكهول، ولكن الصرخات لا تجد ضميراً حياً يفزع لنجدتهم، ولا قلباً يملك ذرة من الوفاء كي يمنحهم الرأفة، والتخلص من يورانيوم الهلاك، وضياع المصير.
هذا هو جنون العظمة، عندما يتشبث بالعقول يجعلها أحزمة ناسفة، وخراب بيوت، ودمار مستقبل، ولا يجني نتيجة هذه الكارثة إلا الذين كمّموا الأفواه، وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يضيفون على ذلك بقولهم، متى تنقشع الغيمة، وتذهب الغُمة، ويزول الكرب، وتنتهي دائرة السلب والنهب، لمصائر لا ذنب لها إلا أن أصحابها وُلدوا مصادفة على بقعة من الجغرافيا مصابة بداء النفس الأمّارة، والقيم المستعارة، وأشباه البشر، وما هم ببشر، وإنما هم بقعة من نار وشيء من الشر.
إقرأ المزيد


