جريدة الإتحاد - 6/8/2026 12:25:29 AM - GMT (+4 )
مع خيوط الفجر الأولى وبعد تأديتي صلاة الفجر، تتسارع خطاي في ظلامٍ دامس تشقه تلاوات القرآن في المساجد لأجوب شوارع الفريج الخالية من المارّة والمُشاة. عندما «تبان الشيفة» وفي موقع محدّد تقف عائلة من الضباء بشموخ وشجاعة تراقب كل خطوة أخطوها، مشهد يتكرر، وفي التوقيت ذاته في بادئ الأمر أقنعت نفسي أنها مصادفة، ولكني لاحقاً صرت أشعر وكأني الفريسة في فخ جمال وعظمة ما أراه، تتقلص خطواتي فأمشي بحذر حتى لا تفزع الغزلان وتطير من ذهني تلك الصورة البديعة. وبعد الغزلان يأتي دور الثّعلب، هذا الخجول يترصد خطاي ثم يركض أمامي، معلناً هروبه وعدم رغبته في التفاعل أو التعامل معي.
تصوروا هذا المشهد شبه اليومي، ولكن في الأسبوعين الماضيين أصبح الثعلب أكثر جراءة، فهو ينتظرني عند باب البيت ويتبعني من بعيد «كما يبدو ذلك له»، وعندما أنظر خلفي يقف ويظل «متصنِّماً» حتى أبتعد قليلاً فيكمل متابعته. كان يأتي ويغيب كما يحلو له، ولكن قبل أيام أدركني الوقت وكنتُ على عجالة من أمري، سار الثعلب يركض أمامي ثم اجتمع بثعلبٍ آخر وسارا يقفزان حتى توغلا في بيتٍ قيد الإنشاء. قلت في خاطري: «تركا الطبيعة بحثاً عن الاستقرار في زمنٍ طبيعته في تغييرٍ متسارع، وربما يطمئنني بأنه ليس وحيداً، بل أصبح له في الدنيا ونيس». الثعلب ليس ماكر ولكنه ساحر وآسر ومن أوفى الحيوانات، حيث يرتبط بأنثى واحدة طوال حياته، ولكن الثعلبة تستعيض بثعلبٍ آخر لا يحيد عن الوفاء.
كنت أنحاز إلى رأي ينأى بالثعلب عن وصمة المكر والخداع والمراوغة، لاسيما لعدم وجوده في حكايات الحكمة التي تناولتها «كليلة ودمنة»، سرعان ما تغيرت تلك النظرة عندما فتحت مجلدات كتاب «الحيوان» للجاحظ فوجدته يقول: «من أشدّ سلاح الثّعلب الرّوغان والتّماوت.. وله عجيبة في طلب مقتل (الدعَليّ) القنفذ، وذلك إذا لقيه فأمكنه من ظهره، فإذا فعل ذلك به ينبسط، فعند ذلك يقبض على مراقّ بطنه».
للعارفين أقول، سألت الذكاء الاصطناعي عن رمزية الثعلب في حياتنا، فكانت الإجابة «سواءً أكانت لمحة خاطفة على درب غابة أو ظهوراً متكرراً في حياتك، فإن لقاء الثعلب قد يرمز إلى حقائق خفية، أو تغييرات تلوح في الأفق، أو تشجيع على مواجهة تعقيدات الحياة برشاقة ودهاء، انتبه جيداً، فقد تُرسل لك الطبيعة رسالة ذات مغزى من خلال الثعلب». نستمر في المشي كل يوم، والله المستعان من ثعالب الطبيعة والمتثعلبين في حياتنا.
إقرأ المزيد


